بريطانيا تستغل أزمة الدين الأمريكي لجذب رؤوس الأموال الخليجية



يضع صنّاع القرار الاقتصادي في بريطانيا أعينهم الآن على رؤوس الأموال الخليجية وإمكانية جذبها إلى المصارف البريطانية، خاصة بعد أزمة سقف الدّين الأمريكي، في ظل خشية البلدان الخليجية من تعرض استثماراتها في سندات الخزانة الأمريكية للتأثر سلباً جراء تكرار هذه الأزمات، ومن ثم فهم يسعون لرفع سعر الفائدة، لإيجاد أرضية جذابة لرؤوس الأموال الخليجية إذا ما اتجهت لتنويع مصادر استثماراتها وعدم حصرها في سندات الخزانة الأمريكية.

يأتى هذا عقب ظهور مؤشرات إيجابية داعمة للاقتصاد البريطاني، ما حدا بجورج أوزبورن وزير المالية البريطاني للتأكيد على أن ''جهود وعمل الشعب البريطاني أثمرت، والبلاد تسير في طريق النجاح''، تعليقاً على ما أعلنه مكتب الإحصاءات الوطنية من أن معدل نمو الاقتصاد البريطاني بلغ في الربع الثالث 0.8 في المائة، وهي أعلى نسبة نمو تتحقق منذ ثلاث سنوات.

ولم تتوقف السعادة بشأن هذه الأنباء فقط عند حدود معدل النمو المحقق، بل تعدتها أيضاً إلى ما أشارت إليه البيانات الرسمية بأن النمو طال جميع القطاعات تقريباً، ما يعني أن الاقتصاد البريطاني لا ينمو فقط إنما ينمو بشكل متوازن، حيث حقق قطاع الإنشاءات معدل نمو بلغ 2.5 في المائة للربع الثاني على التوالي، ويمثل هذا القطاع أهمية خاصة في اقتصاد المملكة المتحدة باعتباره قاطرة تجذب العديد من القطاعات الاقتصادية الأخرى.

وقد أثارت تلك الأنباء جدلاً واسع النطاق بين المختصين وصناع القرار الاقتصادي والسياسي في بريطانيا حول مدى صلابة معدلات النمو المحققة، وهل يمكن أن تتراجع؟ وما الأسباب التي أدت إلى تحقيق بريطانيا لهذا المعدل؟

يعتقد الدكتور جيلز تشارلز الاقتصادي البريطاني وأستاذ مادة الاقتصاد الجزئي في جامعة بليمث، أن الاقتصاد البريطاني سيواصل تحقيق معدلات نمو في الفترة المقبلة، لكنه يشكك في أن تكون تلك المعدلات مرتفعة إذا ما واصلت الاقتصادات الأوروبية والاقتصاد العالمي البقاء ضمن دائرة الأزمة الاقتصادية، لأن ذلك يضيّق الخناق على الصادرات البريطانية، وإذا واصلنا النمو بالمعدلات الراهنة فإنني أتوقع أن نحقق العام المقبل معدل 3 في المائة، محذراً من أن تخلط الحكومة بين المعدل الحالي ومفهوم الطفرة الاقتصادية، لكن المؤكد أن الاقتصاد البريطاني لديه إمكانية للتوسع.

لكن النجاح الطفيف للاقتصاد لم يمنع حزب العمال المعارض من التحذير من النصف الفارغ من الكوب، حيث حذر إيد بالز وزير المالية في حكومة الظل من الفرح بمعدلات النمو تلك، وتناسي ملايين المواطنين في بريطانيا الذين يعانون من الارتفاع المتواصل في الأسعار بمعدلات تفوق الزيادة في رواتبهم.

وتضيف الدكتورة جيما فرسيجون من المعهد الاقتصادي للدراسات التحليلية، وهو مؤسسة بحثية تمد حزب العمال بالدراسات الاقتصادية والاجتماعية، أن معدل النمو لا يعكس حقيقة الوضع الاقتصادي المتدهور للطبقة المتوسطة في ظل التحالف الحاكم بقيادة حزب المحافظين، بالتأكيد على أن السياسات التقشفية التي تبنتها الحكومة تنعكس سلبا على المستويات المعيشية للفئات الاجتماعية التي تعتمد على الأجور والدخول الثابتة، والانتعاش الحالي في سوق الإنشاءات، وهو ما سمح بتحقيق معدل نمو 0.8 في المائة، قد حدث جراء التدخل الحكومي في شكل تمويل الأشخاص الراغبين في شراء منزل لأول مرة، ومن ثم فإننا أمام نمو اقتصادي مصطنع لا يعكس قدرات حقيقية لدى المواطنين.

إلا أن هذه الانتقادات لم تمنع بعض الاقتصاديين من النظر للمستقبل بشكل أكثر تفاؤلاً، وهو ما يشدد عليه خالد الحسن المحلل الاقتصادي في شركة ''إس.ال.دي'' للاستثمارات الدولية بأن أهمية معدل النمو المحقق أنه يمنح ثقة دولية في الاقتصاد البريطاني، وقدرته على التعافي من الأزمة الاقتصادية، وإذا أخذنا في الاعتبار أن محافظ البنك المركزي البريطاني ربط بين رفع سعر الفائدة وانخفاض معدل البطالة إلى 7 في المائة، فإن الأنباء الخاصة بنمو الاقتصاد تعتبر جيدة، لأن ذلك يعني قدرة الاقتصاد البريطاني على توظيف المزيد من الأيدي العاملة، وبالتالي انخفاض معدل البطالة ورفع أسعار الفائدة.

وأضاف الحسن أن رفع سعر الفائدة، الذي يقدر حالياً بـ 0.5 في المائة وهو أدنى معدل في تاريخ البلاد، سيمنح الاقتصاد البريطاني القدرة على جذب رؤوس أموال دولية وضخها في العجلة الاقتصادية.

أضف تعليقك

تعليقات  0