بين دولة الرفاه ودولة الهدر


لأول مرة تمتلك الحكومة الكويتية منذ عام 1985 الشجاعة السياسية في طرح رؤيتها أو قناعتها عبر برنامجها السياسي الذي ينبغي أن ينعكس على الخطة التنموية، فقد تبنت الحكومة الكويتية عام 1985 عنوانا جميلا في برنامجها وخطتها التنموية هو «بناء الانسان الكويتي»، ومن يتابع ما تم طوال الثلاثين عاما الماضية يدرك، وبكل أسف، أن ذلك الشعار كان لغرض الاستهلاك السياسي، فقد هدم خلال تلك المدة الانسان الكويتي في تفانيه الوطني وعطائه الوظيفي وفي قيمه الأخلاقية والاجتماعية، وفي تأهيله وتوفير سبل الحياة المريحة، نتيجة مجموعة سياسات وقرارات وممارسات حكومية فاقدة للمصداقية وتناقض بعضها البعض، فهدم أهم مكون للتنمية وهو الانسان، فقد كان عنوان 1985 جريئا في معناه خاويا في مبناه وهو ما أوصلنا الى الحال التي نحن فيها الآن.

واليوم ترفع الحكومة ببرنامجها المقدم لمجلس الأمة شعارا جذابا وهو «شراكة في المسؤولية لاستدامة الرفاه»، وهو عنوان جريء لكونه يتجاوز الشعبوية السياسية التي كانت الحكومة تسابق النواب اليها حتى قبل أشهر قليلة، وهو عنوان جريء لأن تعليق جرس الانذار متأخرا أفضل من ألا يعلق، ولكن هل للحكومة مصداقية في أن ينعكس ذلك واقعا بسياسات وقرارات، أم سيوضع على الرف؟

ان الشراكة تبدأ بالشريك الأكبر وهو الحكومة، التي يجب أن ترشد انفاقها في استنزاف السلع المدعومة في الكهرباء والماء والمحروقات، فهي المستهلك الأكبر بصورة مباشرة أو غير مباشرة لوزاراتها ومرافقها ومؤسساتها وشركاتها، فلو تم البدء بها لتم توفير ما يزيد على نصف بنود الدعم 10مليارات دينار، ولو تبع ذلك وضع قيمة تكلفة هذه الخدمات على الشريك التالي وهو القطاع الخاص بشركاته ومصانعه ومقاولاته ومبانيه لتم توفير ربع بنود الدعم.

وبعد ذلك تأتي الخطوة الثالثة وهي فرض ضريبة تصاعدية تبدأ بالقطاع التجاري فالاستثماري (كل ايجار يعامل مثل الاستثماري)، فالأراضي الفضاء فالصناعي فالخدمي، لحصلت الحكومة على ما يزيد على ربع بنود الدعم، وبمعنى اخر يتم التخلص من عبء ميزانية الدعم من دون ارهاق المواطن.

وحينها، أي بعد سنتين أو ثلاث، يتم تطبيق نظام الرسوم ووقف الدعم عن السلع المدعومة بعد مستوى معين مثل 300 ليتر بنزين للسيارة في الشهر وكذا كيلووات للفرد في الشهر وهكذا، حينها نصل الى التوازن المطلوب في تطبيق شعار «شراكة في المسؤولية لاستدامة الرفاه».. وللموضوع تتمة.

اللهم اني بلغت.



أ.د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0