استجواب متمرد!


قد لا ينتهي الجدل حول استجواب النائب رياض العدساني رئيس مجلس الوزراء بين المؤيدين والمعارضين لدوافع شخصية ومواقف سياسية مسبقة، أما محاور الاستجواب

وتوقيته ومبرراته فسوف تبقى تحليلاتها المعلبة والقديمة في معظم التعليقات حتى المداخلات النيابية في يوم الاستجواب، فالأسطوانة المشروخة هي ذاتها بأن التوقيت السياسي غير مناسب مع بداية حكومة جديدة ومجلس جديد، وأن الاستجواب يدخلنا في أزمة أخرى ونفق مظلم، وأن النائب له أجندة خاصة وأنه مدفوع من المعارضة، وبالتأكيد "ما راح نخلص" من هكذا اتهامات واجهتها جميع الاستجوابات النيابية من عام 1963 حتى يومنا الحاضر.

في المقابل، قد يكون الاستجواب بالنسبة إلى المعارضة متنفساً جديداً ووسيلة غير متاحة لها لضرب الحكومة ورئيسها، وبالتالي تأكيد فرضياتها بأن المشكلة تكمن في نهج الحكومة وسوء إدارتها ومحيطها الذي يهيمن عليه أصحاب النفوذ، والأهم من ذلك إعادة الترويج لفكرة الحكومة الشعبية.

وإذا كان هذا المنظور المزدوج للاستجواب هو السائد والشائع "فلا طبنا ولا غدا الشر"، حيث يسدل الستار عليه بـ"الكروتة" السياسية، ولا نستفيد سوى ما يتبادله الناس من تجاذبات وانتقادات واتهامات متبادلة يذهب بعدها الكل إلى حال سبيله؛ لنعود وندور في نفس الدائرة المغلقة العقيمة.

النائب رياض العدساني واستجوابه يجب التعامل معه من منظور مختلف وفي غاية الأهمية، فهذا الرجل قدم نفسه للناس وفي دائرة يفترض أنها نخبوية من الطراز الأول على أنه جاء ليفتح ملف الفساد وإن بقي وحيداً في المجلس، وأعيد انتخابه في مركز متقدم جداً في انتخابين متتاليين، واستجوابه منسجم مع ما وعد وتوعد به. واستجواب العدساني يمثل شريحة الشباب بكل معانيها، فهو استجواب جيل الأحفاد لجيل الأجداد، وهو تعبير عن الغضب والتمرد الشبابي النابض بالحيوية والحماس والاندفاع والجرأة الذي لا يمكن الوقوف في وجهه أو حتى مجاراته، وهو استجواب لحالة رفض الواقع الحالي والإصرار على خلق واقع جديد، ومادة الاستجواب، خصوصاً ما تضمنه من أمثلة الفساد المالي المتجذر، هي السبب الأول لدى أغلبية الناس وإجماع الشباب لكل حالات التردي في البلد واليأس من أي علاج في ظل العقلية السياسية القائمة، ومهما كانت الانتقادات لتوقيت الاستجواب أو مواءمته السياسية ومن يقف وراءه، فإن التخبط الحكومي الأخير والتحرش غير المبرر ولا الحكيم لإعلان وفاة "دولة الرفاه" قد رفع أسهم الاستجواب إلى حد كبير، وهذا لا يحتاج إلى الكثير من العناء لرصده عبر التفاعل الإيجابي من جمهور المعارضة وأنصار الحكومة ممن انقلبوا عليها والأغلبية العظمى من المحايدين.

ولهذا يفترض أن يأخذ سمو الرئيس هذا الاستجواب على محمل الجد، ونتمنى أن تكون ردوده هي الإقرار بعنكبوت الفساد وطرح طرق الحل لاجتثاث جذوره عبر برنامج صريح ودقيق ومحدد الزمن وبإدارة مخلصة، أما محاولات قبر الاستجواب أو مجرد محاولة الإفلات منه عبر "تضبيط" النواب وتحريض الكتّاب فلن تجدي نفعاً، وسوف ينقلب ذلك على رأس الحكومة، فجيل العدساني لديه من اللياقة البدنية السياسية ما يكفي ليصول ويجول في ملعب الحكومة أربع سنوات و"يخليها" على "قول واحد" والجمهور كله معه!
أضف تعليقك

تعليقات  0