فشل النموذج الكويتي للتنمية


بعد أكثر من ستة عقود، أتيحت للكويت فيها فرصة سانحة، بتوافر قدرات مالية ضخمة نسبياً، لكنها لم تستطع بناء نموذج معقول ومقبول للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وجاء برنامج الحكومة، ليعلن بأن دولة الرفاه مهددة في مستقبلها، نتيجة احتمالات ظهور تراكم العجز الحقيقي في الميزانية العامة خلال السنوات 2021 - 2029، وهي بذلك تدق ناقوس الخطر، وتعلن أن معالجة هذا الخلل يتطلَّب إعادة نظر جذرية في السياسات العامة للرعاية والدعم، لتفادي المخاطر على استدامة الاقتصاد والرفاه الاجتماعي.


معالجة جذرية

أما عن الأسباب التي أدَّت لوصول الكويت إلى مرحلة الخطر، مما يستدعي معالجة جذرية، فقد جاءت في خطاب سمو الأمير في مجلس الأمة، قال فيه: «إن مظاهر الخلل التي تعيق مسيرة العمل الوطني، هي حصيلة أخطاء وممارسات سلبية تراكمت عبر الزمن، وتكرَّست معها المفاهيم الخاطئة الضارة، وقد بات من الضروري تصحيح هذه المفاهيم، وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح».

وهو تشخيص دقيق لما آلت إليه الأوضاع، ونذر الخطر التي أعلنها برنامج الحكومة، فالأسباب تعود إلى حصيلة أخطاء وممارسات تراكمت عبر الزمن، تقع مسؤوليتها على عاتق الحكومات المتعاقبة، وسياساتها البعيدة عن الإدارة الراشدة لشؤون الدولة.


حالة فشل

نحن اليوم أمام حالة فشل ذريع لم تفلح البرامج الحكومية وخطط التنمية إلا في تراكم السلبيات وتعميق الاختلالات، بحيث أصبحنا أمام تحديات ضخمة، ليس من السهل تجاوزها، ولا تعين على تجاوزها النوايا الطيبة لرئيس مجلس الوزراء جابر المبارك، ولا مداعبة المشاعر بالشعارات الجميلة التي لا يختلف عليها أحد، فالخرق اتسع على الراتق، وما تعانيه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الكويت، مسألة هيكلية تتعلق بالسياسات، وهياكل مؤسسات الدولة وضعف أدائها.

مؤسسات الدولة، بما فيها الحكومة الحالية، وأجهزة الدولة الإدارية والمؤسسات العامة ومجلس الأمة والمجلس البلدي، للأسف، كلها عاجزة، بأوضاعها الحالية، وغير قادرة على تحقيق حتى الحد الأدنى من المطلوب.


مؤشرات

ولنأخذ بعض المؤشرات التي تدلل على عجز مؤسساتنا عن إنجاز أقل القليل مما هو مطلوب باستذكار خطة التنمية الاقتصادية بسنوات 2014-2010، التي اعتمدت برنامجاً استثمارياً بقيمة 35 مليار دينار، بمعدل 7 مليارات دينار سنوياً، واستهدفت الخطة رفع قيمة الناتج المحلي الإجمالي بتنويع مصادر الدخل، وتحسين وتوفير الخدمات الاجتماعية، والاهتمام بالتنمية البشرية، وتعزيز دور القطاع الخاص، ليصبح قاطرة للتنمية، وإصلاح الجهاز الإداري وفق قاعدة الثواب والعقاب، ومحاربة الفساد والواسطة والمحاباة، وتعديل التركيبة السكانية.

والآن، نحن في السنة الأخيرة للخطة، التي تحوَّلت من خماسية إلى رباعية، فما هي حصيلة التنفيذ، وفقاً لما جاء في تقرير خطة التنمية للسنة الرابعة 2014/2013:

- ارتفع الإنفاق العام من 11 مليار دينار عام 2009 إلى 21 مليار دينار عام 2013، وفي الوقت نفسه انكمش الاستثمار الرأسمالي إلى 10.5 مليارات دينار، بدلاً من المستهدف، وهو 15 ملياراً، وتقلص استثمار القطاع الخاص إلى 50 في المائة من المستهدف.

- انخفاض نسبة الكويتيين في التركيبة السكانية من 32 في المائة عام 2009 إلى 31.5 في المائة، وكان المستهدف رفعها إلى 35 في المائة.

- تكدُّس العمالة الوطنية في القطاع العام بنسبة 82 في المائة من الإجمالي، وانخفاضها في القطاع الخاص بنسبة 18 في المائة، متضمنة التوظيف الوهمي للاستفادة من الدعم الحكومي، الذي بلغ 400 مليون دينار سنوياً، ومازالت فجوة الأجور والمرتبات في اتساع، مما يزيد من صعوبة الإقبال على العمل في القطاع الخاص.

-ارتفاع بطالة الكويتيين من 16 ألفاً عام 2009 إلى 20 ألفاً عام 2013، مع زيادة أعداد البطالة بين المتعلمين من خريجي المعاهد والجامعات.

-عجز السعة الاستيعابية في الجامعة وهيئة التعليم التطبيقي المقدَّرة بـ 45 ألفاً، مقارنة بزيادة المقيدين إلى 62 ألفاً، بفارق عجز 17 ألفاً، مع ارتفاع معدل خريجي الثانوية العامة إلى 25 ألف طالب سنوياً.

- قصور في إنجاز الإسكان المنفذ 10 آلاف إلى المستهدف 16 ألفا في عامي 2012/2011، بنقص 40 في المائة، في حين زادت طلبات الإسكان إلى 100 ألف، وتعد الحكومة بإنجاز 37 ألف وحدة سكنية.

- تطرَّق تقرير خطة التنمية للسنة الرابعة 2014/2013، إلى تقييم أداء أجهزة الدولة وفقاً لمؤشرات الأداء العالمية، وأظهرت المقارنة تراجع الأداء في الكويت، حيث انخفض أداء الدولة الصحي، وضعفت جودة التعليم، إذ تراجعت الكويت فيه إلى المركز 104 عام 2012، بعدما كانت في المركز الـ 81 عام 2009، ومازال مركز الكويت في محاربة الفساد والمحاباة متراجعاً، فمؤشر مدركات الفساد يعطي الكويت 4.4/10، وتراجع مركزها في مؤشر المحاباة من 3.2/7 عام 2012/2011، إلى 2.7/10 عام.2013/2012.

أمام هذه المؤشرات، هل نستطيع أن نتفاءل بقدرة الحكومة على تحقيق معالجة جذرية مفصلية لتجاوز الاختلالات التي قد تؤدي إلى تقويض دولة الرفاه، أم اننا سنجد أنفسنا بعد خطة التنمية الموعودة في تراجع، كما كانت الحال مع خطة التنمية التي تنتهي في السنة المالية الحالية؟!



عبدالله النيباري
أضف تعليقك

تعليقات  0