لا خوف على الدستور إلا ممن يدّعون حمايته


ذكرى جديدة للدستور وتحدٍّ جديد للدستور، هذا قدرنا، ونعم بالله، تتكرر التحديات وان اختلفت صورها لتعكس، وبشكل قاطع، عدم رسوخ الممارسة عند البعض نتيجة لعدم فهم واستيعاب مفاهيم الدستور ومضامينه. فبعد ان كانت التحديات مصدرها بعض الاطراف بالسلطة وأصحاب النفوذ ورعاة الفساد أصبحت التحديات اليوم من اطراف نعتقد انها من حماة الدستور ودعاة المحافظة عليه، وهي بلا شك اكبر ضرراً وتحدياً من اي طرف آخر لاعتبارات عدة.

الأسئلة المشروعة
ماذا عسانا نقول للمؤسسين ورجال الدستور ونحن مع كل سنة نحتفل فيها بذكرى صدور الدستور، نستذكر مواقفهم وانجازاتهم ومساهماتهم في بناء الدولة الدستورية؟ كيف حمينا مكتسباتكم، وكيف حافظنا على انجازاتكم، وكيف قدرنا تضحياتكم لإقرار دستور عصري في ذلك الوقت؟!
انها اسئلة قد تكون باعتقاد البعض بسيطة وسهلة الاجابة، ولكن في حقيقة الحال هي اسئلة صعبة وصعبة للغاية.
كيف ستكون الاجابة عن اسئلتهم؟ لماذا استخدمتم الدستور كبرنامج انتخابي؟ ولماذا طوعتم الدستور لمواقفكم من اجل تحقيق مكاسب آنية؟ لماذا ساهمتم في النيل من الدستور من خلال الممارسات البعيدة كل البعد عن الدستور ومضامينه، لماذا استخدمتم الدستور لاقصاء الآخر، لماذا استخدمتم الدستور كغطاء لممارسة الفساد؟ كيف تسنى لكم استخدام الدستور في توزيع صكوك الوطنية على الآخرين، كيف ارتضيتم ان يكون الدستور ورقة للمساومة من اجل تحقيق مكاسب آنية وعلى حساب الدستور، كيف طوعت لكم انفسكم ان تجتزئوا بعض مواد الدستور لخدمة مواقفكم بدلاً من ان تطوعوا مواقفكم للدستور؟!

حوار بين جيلين
انها اسئلة مشروعة ولعلها حوار بين جيلين ويتبعهما جيل ثالث. فجيل المؤسسين من حقهم ان يسألوا عن تركتهم، وهل حافظنا عليها، ام لا؟
وكذلك، علينا الاجابة عن اسئلة الاجيال القادمة في ما نحن مؤتمنون عليه، لتسليمه لهم بأكمل وجه، ولعل هذه الاسئلة موجهة للجميع، سواء من هم بالسلطة أو من هم بالمؤسسة التشريعية او من هم قادة للرأي العام بالبلد.
إن الرأي والمشورة لهما دور كبير في توجيه الحكم والادارة في الكويت.
نؤكد بهذا الصدد ما سطره المؤسسون بالمذكرة التفسيرية للدستور من الأصل الجوهري في بناء العهد الجديد قام بمنزلة العمود الفقري لهذا الدستور والمتمثل بالحفاظ على الوحدة الوطنية، والذي انبثقت منه عدة امور فرعية، منها: «ألا يفقد الحكم طابعه الشعبي في الرقابة البرلمانية او يجافي تراثنا التقليدي في الشورى، وفي التعقيب السريع على اسلوب الحكم وتصرفات الحاكمين. وليس يخفى على الجميع ان تأخر وتراخي الرأي والمشورة يفقدهما في الغالب اثرهما، ويفوت دورهما في توجيه الحكم والادارة على السواء.
إن ذكرى صدور الدستور من المناسبات الوطنية والتي نستذكر ونستعرض من خلالها تلك التحديات والمواقف والاحداث التي وقعت قبل صدوره او تلك التي صاحبت صدوره او التطورات التي حدثت بعد صدوره، مستذكرين بكل اعتزاز وتقدير الدور التاريخي لاولئك الرجال الافذاذ واضعي الدستور الحصن الحصين بعد الله في التغلب على الكثير من التحديات التي واجهتها الكويت عبر تاريخها السياسي.
جعلنا الله من الذين يقرأون التاريخ، وإذا قرأوا يتعظون.
فأول التحديات يتمثل في عدم ايمان بعض افراد السلطة والمتنفذين واصحاب المصالح الذين لم يتركوا فرصة، وما زالوا للنيل او الانتقاص منه او تفريغه من محتواه من خلال تزوير الانتخابات سنة 1967 او حل مجلس الامة سنة 1976 وتشكيل لجنة لتنقيح الدستور سنة 1980.
والمباشرة الفعلية بتنقيح الدستور سنة 1982 وحل مجلس الامة سنة 1986 وانشاء المجلس الوطني سنة 1990، بعد هذه المواقف بدأت المرحلة الثانية من التحديات بعد عودة العمل بالدستور سنة 1992 والمتمثلة بالتدخل السافر بالانتخابات وتسخير كل امكانات الدولة واموالها من اجل توصيل مجموعة من الاعضاء لتشكيل اغلبية داخل المجلس بهدف السيطرة على القرار داخل مجلس الامة، وذلك من خلال تعديل قانون الدوائر الانتخابية بانتخابات 1981 ليكون 25 دائرة بعد ان كانت 10 دوائر لتبدأ بعدها المرحلة الثالثة من التحديات وهي الاخطر كونها تأتي ممن يدعون حماية الدستور واذا بهم اخطر ما يكون على الدستور ومكتسباتنا الدستورية من واقع ممارسات بعيدة كل البعد عن الدستور بل دخيلة على تاريخنا السياسي تنم وبشكل قاطع عن عدم فهم لمضامين الدستور ومبادئه كونها تأتي ممن نحسبهم حماة للدستور ومدافعين عنه معتقدين وللاسف بان الديموقراطية تمر من خلالهم وعن طريقهم وبأنهم المسطرة التي يقاس بناء عليها الوطنية او الممارسة الديموقراطية او العمل السياسي بالكويت متطاولين على القضاء ورجاله، متدخلين بأحكامه وقراراته، مستخدمين الدستور كبرنامج انتخابي ولم يدخروا جهدا لتطويع الدستور ومواده لمواقفهم واهدافهم بدلا من ان يطوعوا مواقفهم الى الدستور ليكون مرجعا وملاذا للجميع في ممارسة العمل السياسي وفق الاطار الذي رسمه الدستور.

تحدي استخدام مراسيم الضرورة
اما المرحلة الرابعة من التحديات فتتمثل باستخدام مراسيم الضرورة في اصدار قوانين وتشريعات هي بالاساس من اختصاص السلطة التشريعية بهدف تغيير تركيبة المجلس والمتمثلة باصدار مرسوم ضرورة بتعديل قانون الدوائر الانتخابية وغيرها من التشريعات، وهو الامر الذي لجأنا فيه الى المحكمة الدستورية وفق مقتضيات الدستور، مؤكدين مسبقا احترامنا لقراراتها علما بأن المحكمة الدستورية قد ألغت احدى مواد مرسوم الضرورة بانشاء اللجنة العليا للانتخابات وفتحت الباب للطعن ومن ثم الغاء التشريعات الاخرى الصادرة فترة حل مجلس الامة في حين لجأ البعض الى التشكيك بها (اي المحكمة الدستورية) واعتبارها كأن لم تكن بل ان قراراتها باطلة ومنعدمة ضاربين بعرض الحائط بالدستور وبمواده وبالاخص فصل السلطات.
لقد حذرنا في مناسبات سابقة من مغبة النيل من الدستور والعبث به من خلال ممارسة بعيدة كل البعد عن الدستور ومفاهيمه ومدى تأثير ذلك على تاريخنا السياسي وعلى مفاهيم جيل الشباب الذي نتطلع الى أن يساهموا في الحفاظ على الدستور والعمل بموجبه ووفق مواده.

تحدي المطالبة بدستور جديد
الا اننا وبمناسبة ذكرى صدور الدستور يظهر لنا تحد جديد وهو التحدي الخامس، وبوجهة نظري يفوق خطورة كل التحديات السابقة للدستور، ألا وهو تحدي المطالبة بدستور جديد من خلال انشاء لجنة وطنية تأسيسية تشرف عليها أي منظمة دولية ومهمتها الاستفتاء لوضع دستور جديد أي ببساطة الغاء دستور 1962 الذي ارتضيناه عقداً، وعلينا المحافظة عليه كما استلمناه من الأجداد لنسلمه للأجيال القادمة، فقد حدد الدستور وبشكل قاطع آليات تنقيحه والتي بالأساس تتم من خلال مجلس الأمة وممثلي الأمة، اقتنعنا بالبعض منهم أم لم نقتنع ولكن بالنهاية هذا هو الدستور الذي ارتضينا العمل بموجبه، أي ليس هناك بالدستور من آليات للتنقيح غير تلك التي وردت به، لا من خلال لجنة وطنية ولا من خلال منظمة دولية أو من خلال استفتاء، وهل بهذه الحالة اذا لم أكن عضواً بمجلس الأمة فان التعديل يكون بالشارع وفي حالة وجودي بالمجلس فان مقتضيات التنقيح تتم من خلال قاعة عبدالله السالم ومن خلال ممثلي الأمة؟!
تنقيح الدستور يكون من خلال المجلس وليس الشارع، كثيراً ما اعترضنا وحذرنا وواجهنا كل محاولات البعض للنيل من الدستور، من خلال المطالبة بتنقيحه بحجة الحد من الممارسات غير المسؤولة من البعض، والتي يجب عدم اسقاطها على الدستور ومواده، كما واجهنا المطالبات المتكررة بعقد مؤتمرات وطنية، وغيرها من الدعوات التي كان الهدف منها سحب البساط من مجلس الأمة، مؤكدين أن مثل تلك الدعوات لتكن من خلال مجلس الأمة لنأتي الآن لندعو الى دستور جديد، انه لأمر غاية في الغرابة، وهو الأمر الذي سنتصدى له متمسكين بدستور 1962، مؤكدين أنه ان كانت هناك مطالبات للتنقيح، فإننا لا نصادر حق من يطالب بها ولكن لتكن وفق الدستور والآليات التي رسمها الدستور للتنقيح وان كنا نعتقد جازمين بأن دستور 62 بوضعه الحالي كفيل بأن ينقلنا الى مراحل متقدمة من العمل السياسي والممارسة الديموقراطية.
أين المطالبة بإنشاء لجنة وطنية تأسيسية تشرف عليها أي منظمة دولية ومهمتها الاستفتاء لوضع دستور جديد من الاقتراح بالقانون الذي تم تقديمه 2008/6/22 بالتعديل على القانون 30 لسنة 1970 بشأن قانون الجزاء بالتعاون والتنسيق مع بعض أعضاء المجلس والقاضي بتجريم الحل غير الدستوري، حيث نص المقترح على ما يأتي: «كل من دعا أو حبّذ أو حرّض عن طريق القول أو الكتابة أو النشر أو أي وسيلة أخرى من وسائل التعبير عن الفكر على حل مجلس الأمة بما يسمح بحلاً غير دستوري يعاقب بالحبس بمدة لا تتجاوز خمس سنوات وغرامة لا تتجاوز خمسة آلاف دينار أي بإحدى العقوبتين».
إن مفهوم الحل غير الدستوري هو اللجوء الى اجراءات خارج الدستور أو تعليق تطبيق بعض مواده، أليست المطالبة بدستور جديد هي بواقع الحال اجراءات خارج الدستور وتعليق كامل لمواد دستور 62 أم ان المطالبة بتنقيح الدستور أو بوضع دستور جديد من قبلنا هي عمل وطني ومشروع إصلاح سياسي، في حين ان كانت من الغير، فتعتبر خيانة وطنية يجب أن يعاقبها القانون.
لقد ورد بمقدمة المذكورة التفسيرية للاقتراح بقانون بتحريم الحل غير الدستوري والمشار إليه أعلاه (بأنه نظر لما للدعوة الى حل مجلس الأمة حلاً غير دستوري من خروج على القواعد الدستورية المقررة بحل مجلس الأمة، ومن ثم كانت الدعوة الى مثل هذه الأمر بطريق القول أو الكتابة عملاً غير جائز من أجل ذلك أعد هذا القانون).
الا يعتبر المناداة والمطالبة بدستور جديد خروج عن القواعد الدستورية والمتمثلة في الإلغاء الكامل للدستور الحالي، وتعطيل مواده إلى حين صدور الدستور الجديد.

الرهان على وعي الشارع
هناك من يراهن على وعي الشارع وذاكرته، وهو بالنهاية رهان خاسر مثلما راهنت السلطة على وعي الشارع وردة فعله على اداء المؤسسة التشريعية بهدف الانتقاص من الدستور من خلال محاولتها للتنقيح سنة 1982، وبالتالي خسرت الرهان، وعليه فإن رهان الدعوة لدستور جديد هو رهان خاسر وسيقف ضده كثيرون كون الدستور هو الوثيقة التي ارتضيناها كاطار لادارة شؤون الدولة، مؤكدين بعدم مصاردتنا لحق كل من يطالب بتنقيح الدستور من خلال المؤسسة التشريعية ووفق الآليات التي رسمها الدستور، وليس من خلال الشارع ووفق مفاهيم مغلوطة من واقع اجتزاء مواد الدستور وتطويعها لاهداف خاصة لا تسمن ولا تغني من جوع، بل قد تترك الباب مواربا امام الاخرين، الذين يريدون الانتقاص من الدستور والانقضاض عليه والغاءه، مستذكرا بيت الشعر الذي ألقاه المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ عبدالله السالم الصباح، امير الكويت الراحل في افتتاح الفصل التشريعي الاول لمجلس الامة بتاريخ 1963/1/29، مخاطبا اعضاء مجلس الامة والشعب الكويتي بهذه الحكم البليغة:
تُهدى الأمور لأهل الرأي إن صلحت
وإن تولَّت فبالأشرار تنقاد
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جُهَّالهم سادوا

بقلم عادل عبدالعزيز الصرعاوي

**
خروج على القواعد
اعتبر النائب السابق عادل الصرعاوي ان المطالبة بدستور جديد بمنزلة خروج عن القواعد الدستورية.
أضف تعليقك

تعليقات  2


خلدون الجميلي
مبدع يا استاذي العزيز ومقال عن الابداع يلامس الجرح ووصلته الدول الغربيه وﻻزاالت دول العالم الثالث تنتظرة يهبط عليها شكرا لقلمك
عيد أخو سعيد
عنصري بلحية ،،، أم ليبرالي بلحية ،،،أم خليط أحقاد بلحية ،،،، أم حسب المصلحه ،،، أو بتاع كله ؟! خلاصة القول "الله لا يكثر من أمثالك"