تساؤلات تطوير الدستور في ذكراه!


في ذكرى قيام الدستور علينا ان نطرح عدد من الأسئلة بشان مدى ملاءمة وفاعلية دستور 62 لواقعنا السياسى بإقامة دولة المؤسسات وتحقيق التنمية ؟

فالواقع السلبى الذى نعيشه اليوم من تراجع دولة المؤسسات نمو الفساد وسوء الإدارة وضعف التنمية يرجع سبب رئيسى هو سوء الإدارة وسوء تطبيق الدستور، ولان الدستور وضع نظام محدد لايجاد الإدارة الحكومية ( رئيس حكومة ووزراء ) ونظام برلماني بآلية معينه , هذه الآلية مع التجربة اثببت فشلها وسوء نتائجها ، فعلى مر الخمسون عاما منذ قيام الدستور تعثرت التجربة الدستورية والسياسية مرارا بسبب عدم ايمان البعض في السلطة اتجاه الحياة الدستورية ومحاربتهم له
، كما استغل البعض الثغرات القائمة في الدستور متجاوزين مبدا التوازن بين الشعب والحاكم وبين السلطات لفرض سييطرتهم مما أدى الى توقف وعثر التجربة الحكومية والبرلمانية ، وإضافة لما سبق فان خلق الإدارة القادرة ذات الكفاءة يكاد ينعدم بسبب تعاظم راى الفرد في الدوله على راى المجموع وغياب قوانين ومعايير لاختيار من يتولى المسئولية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هل يمكن النجاح بإيجاد أدارة متميزة في البلاد في ظل الدستور الحالي ؟
الإجابة في راى بالنفى والعدم لاستمرار تفكير البعض بالسيطره والاستحواذ علي السلطة والمال على حساب الصالح العام ، واقصد بذلك بانه لن تقبل السلطة القائمة ان ينتزع الشعب منها إدارة الحكومة ولا ان ينتزع منها قدرتها على التحكم في صرف المال العام او اختيار الموالين لها في المتاصب القيادية !

فعقلية بعض أفراد السلطة منذ قيام الدستور لا تعبأ بالمساوة المفترضة بين الحاكم والمحكوم واتجهت مؤخراً اكثر نحو تعظيم صلاحيات الحاكم على حساب المحكوم مما أدي الي خلق إخلال بيّن وجسيم بالدستور .

وهنا يأتي السؤال الرئيسي ، ما السبيل الى تحقيق رغبة الكثير من اهل الكويت والتي تكمن في تحقيق المعادلة التالية ( التزام الكويتيين بالشرعية التاريخية بإمارة وحكم الصباح وفى ذات الوقت توفر إدارة نوعية متميزة للحكومة ومجلس الامه ) ؟

هذه المعادلة ليست بجديدة من حيث الطرح والمطالبة فقد نادى بها اعضاء المجلس التشريعى 1938 وعدد من أعضاء المجلس التاسسيى 61 وسطرها ونادي بها الكثير من النخب منذ قيام الدستور الى وقتنا الحالي.

ككوبتيين علينا ان نراجع في اطار وطنى توافقى نظامنا الدستورى بالتمحيص والنقد وان نتجاوز المجاملات والتخوفات الغير مبررة الى الشعور بالمسئولية الوطنية والتاريخية لتعديل وتطوير نظامنا الدستورى بما يعود علينا بالصالح .

فالدستور كفل وحدد اليات لتعديل وتغيير بنوده وتطويرة ووضع ضمانات لعدم استغلال التغيير نحو الاسوء او التراجع عن شعبية الحكم كما ورد في بنود الدستور ، ولذلك فانه آن الأوان ان نفكر جديا وحضاريا كيف طورت الدول المتقدمة ديمقراطيا وحضاريا أنظمتها الدستورية والسياسية لضمان إيجاد أدارة افضل لحكوماتها وبرلماناتها ، فالتجربة التاريخية تقول ان أمريكا وفرنسا وألمانيا والمغرب وغيرهم احدثوا تغييرات وتطوير فى مرات عديدة في انظمتهم الدستورية وساهم ذلك في تقدمهم وتحضرهم وتطور الادارة لديهم .

فهل يملك الشعب مشروعا إصلاحيا لتحقيق ذلك ؟ لقد أخذت فئات معتبرة من الشعب علي عاتقها تتبني مشروعا إصلاحيا باتجاه تطوير نصوص الدستور باتجاه تبنى النظام البرلماني الكامل واعتماد ذلك وفقا لاليات الدستور الحالي.

وهذا المشروع يعتمد على اصلاح سياسى ودستورى مشترك يؤدى في نهايته الى انضاج وترشيد الإدارة الحكومية والممارسة البرلمانية وفق مقومات مطلوب توفرها، وأولى مقومات هذا المشروع تعديل الدستور باتجاه تشكيل الحكومة من الأغلبية البرلمانية ووجوب حصول الحكومة على ثقة مجلس الأمة ، وثانى تلك المقومات تقييد حق الحكومة برفع مشروع حل البرلمان واستخدام اداة الاستفتاء الشعبى كاداة فى حسم صحة مشروع الحل من عدمه
، وثالث تلك المقومات باضافة ضوابط على حق الحكومة فى مراسيم الضرورة بما لا يمس فى الحالة الاستثنائية بنظام تشكيل البرلمان او صلاحياته ، ورابع تلك المقومات زيادة اعضاء مجلس الامه بما يتناسب مع وزيادة القاعدة الانتخابية والغاء الربط القائم بين اعداد النواب والوزراء ، وخامس تلك المقومات رفع شرط توفر المؤهل العلمى لعضوية مجلس الامه، وسادس تلك المقومات توحيد اجراءات وضوابط استجواب وسحب الثقه عن رئيس مجلس الوزراء والوزراء، وسابع تلك المقومات تشديد قيود رفع الحصانة البرلمانية عن عضو مجلس الأمة مع حفظ حقوق التقاضي ، وثامن تلك المقومات اعتماد العلنية فى اعمال المجلس وجلساته وتقليص احوال السرية لتاكيد الرقابة الشعبية ، وتاسع تلك المقومات وضع ضوابط على المواد الدستورية الخاصة بميزانية الدوله وبالاخص بنود الميزانيات الخاصة والتى يجب ان تخضع بصورة كاملة لرقابة البرلمان ، وعاشر تلك المقومات تعديل المواد الخاصة بالقضاء لاضافة ما يفيد الاستقلالية الادارية والمالية عن السلطة التنفيذية بصورة عملية مع احقية الافراد باللجوء مباشرة الى المحكمة الدستورية ، والحادى عشر من تلك المقومات اضافة مادة جديدة او اكثر تنظم استخدام الاستفتاء الشعبى الرسمى لاخذ راى الشعب فى عدد من القضايا الرئيسية.

ما سبق مقترحات لعدد من الجوانب الدستورىة المطلوب تطويرها ويتطلب مع ذلك مزيد من النقاش والتمحيص ، ومن جانب اخر فانه لاستكمال البنيان يتطلب اصلاح تشريعى في عدد من الجوانب منها تطوير نزاهة وتنظيم الانتخابات وفق نظام القوائم النسبية ، ويتطلب اعتماد اشهار الأحزاب بانضاج وتطوير الممارسة السياسية للتيارات وشفافية أدوارها وتطوير نظمها وما تقدمه للمجتمع ، ويتطلب تشريعيا تطوير اليات مكافحة الفساد حماية نزاهة الوظائف العامة بتطوير قوانين مكافحة الفساد المعيبة قانونيا ، كما انه مطلوب التوجه الجاد نحو اصلاح الجهاز الادارى للدوله باعتماد نظم وتشريعات ملزمة للتعيين والتنصيب للقياديين فى الدوله على أسس الكفاءة والعداله ، ومطلوب الاهتمام ودعم الحريات العامة وحقوق الانسان ومن صور ذلك التوجه نحو انشاء مفوضية وطنية مستقلة لحقوق الانسان .
ما سبق يمثل بعض التطلعات المقترحة لتطوير نظامنا الدستورى والسياسى وكما ذكرت هذه مقترحات تتطلب مزيد من النقاس والبحث ، وذكرى الدستور الحالية تجعل من كل وطنى مخلص لهذه الأرض الطيبة عليه واجب ان يعمل على نهضتها وارتقائها بالتوافق والتنسيق مع الاخريين في إطار من التوافق الذى لا يقصى احد ولا يستثنى احد ويعمل على تغليب المصلحة العامة على الخاصة .

أضف تعليقك

تعليقات  0