تنمية مستدامة أم تنمية إنسانية؟ (1 من 2)


حتى قبل أيام كنت أظن أن مصطلح أو مفهوم «التنمية المستدامة» هو مطلب أممي، وهو آخر ما توصلت إليه طرق تنمية المجتمعات بما يحقق الرخاء والسعادة للبشرية، لكن قبل أيام تلقيت دعوة للمشاركة في مؤتمر عالمي في بالي _ جمهورية أندونيسيا تحت عنوان «قوة الثقافة في التنمية المستدامة»، وهذا دفعني للبحث عن آخر الدراسات والأبحاث سواء الصادرة عن الأمم المتحدة أم من مفكرين مبرّزين.

واكتشفت أن المصطلح «التنمية المستدامة» التي درستها في الجامعة فيش بداية السبعينيات، توقف عند الثمانينيات من القرن الماضي، ولم يعد يعتدّ به بل أصبح المفهوم السائد دولياً هو «التنمية الإنسانية» بمفهومها الواسع، التي تتضمن الثقافة والبيئة والتدريب والمهارات، ونوعية الحياة.

وعودة إلى تاريخ المفهوم، لا بد من أن نفرق بين النمو أي مجرد الزيادة، والتنمية وهي فعل إنساني هادف ومقصود، ففي البدايات الأولى تم التركيز على التنمية الاقتصادية، وهو مفهوم قاصر عن مفهوم التنمية الواسع، واستمرت الأبحاث في الـ UNDP أو برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فامتد المفهوم إلى التنمية الاقتصادية الاجتماعية، ثم أتى لاحقاً مفهوم «التنمية المستدامة» أي بمعنى المستمرة.

ودارت حوارات كثيرة وكُتبت دراسات جادة عديدة حول مفهوم «التنمية البشرية» وهو مفهوم أصبح ضيّقاً بمعناه، ليوسّع إلى مفهوم تنمية الموارد البشرية وتنمية يكون محورها الإنسان.

ويقول الباحث والمفكر الكبير نادر فرجاني: «يقوم مفهوم التنمية الإنسانية على أنها عملية توسيع خيارات البشر، فمنطلق توسيع خيارات الناس يضع أولوية مطلقة لإعمال حرية الاختيار بين بدائل متاحة، الأمر الذي ينطوي بدوره على مركزية الحرية في التنمية الإنسانية، حتى إن بعض الكتابات النظرية الأحدث - يقول فرجاني- تساوي بين التنمية والحرية للبشر، إذا لهم حق أصيل في العيش الكريم معنوياً وجسدياً ونفسياً وروحياً، وترفض التنمية الإنسانية أي شكل من أشكال التمييز ضد البشر سواء لاعتبارات اللون أو النوع أو الأصل الاجتماعي أو المعتقد».

كما لا يقتصر مفهوم الرفاهية الإنسانية في التنمية الإنسانية على التنعم المادي، وإنما يتّسع للجوانب المعنوية في الحياة الإنسانية الكريمة، مثل التمتع بالحرية واكتساب المعرفة والجمال والكرامة الإنسانية، وتحقيق الذات الذي ينبع من المشاركة الفعالة في شؤون الاجتماع البشري كافة.

وبحسب تقرير التنمية البشرية العالمي، فإن أحقيات البشر من حيث المبدأ غير محدودة، وتتنامى باطراد مع رقي الإنسانية، ولذا فإن الاستحقاقات الثلاثة الأساسية في نظر تقرير التنمية البشرية العالمي هي «العيش حياة طويلة وصحية، والحصول على المعرفة، وتوافر الموارد اللازمة لمستوى معيشي لائق»، ولكن التنمية الإنسانية لا تقف عند هذا الحد الأدنى، بل تتعداه إلى استحقاقات إضافية أخرى تشمل «الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتوافر الفرص في الإنتاج والإبداع والاستمتاع باحترام الذات وضمان حقوق الإنسان».

ويكمل نادر فرجاني: «التنمية الإنسانية إذن ليست مجرد تنمية «موارد بشرية» أو حتى «تنمية بشرية»، أو وفاء بالاحتياجات الأساسية للناس فحسب، وإنما هي نهج أصيل للإنسانية يستهدف تحقيق الغايات الإنسانية الأسمى «الحرية والعدالة والكرامة والإنسانية»، وعليه فإن أي مفهوم للتنمية أو التقدم لا يرقى لغنى مفهوم التنمية الإنسانية، فقد استقر أن الكائن البشري الغني مثلاً لا يعد متقدماً ما دام محروماً من الحرية، كما أن خبرة التاريخ القديم والمعاصر تبين أن المجتمعات التي لا تنعم بالحرية لا تستطيع أن تحافظ على المنجزات الاقتصادية والتنموية التي حققتها، ولا تقدر على أن ترتقي معارج التقدم الإنساني السامي».

أظنني سوف أقرأ لهذا المفكر كثيراً، وأدرس فكره الإنساني الجميل، الذي غيّر مفهوم التنمية الذي كان سائداً في ذهني لأكثر من أربعين عاماً، ليأتي بمفهوم أكثر منطقية وإنسانية، وللموضوع بقية.


وليد الرجيب
osbohatw@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0