أعمدة التنمية المفقودة


كنت قد كتبت مقالاً من جزأين حول الفرق بين التنمية المستدامة والتنمية الإنسانية نشرته «الراي» ووجد استجابة كبيرة من القراء داخل وخارج الكويت بل أعيد نشره في مواقع عدة خارج الكويت، والتنمية الإنسانية هي المصطلح الأشمل والأعم الذي يراعي الثقافة والبيئة والحرية والكرامة والعيش الكريم، وهو المصطلح أو المفهوم الذي تم الاتفاق حوله أممياً في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP.

ولكني كلما توغلت في القراءة حول التنمية والعمليات التنموية، سواء كنظريات أو تطبيقات وخبرات متفرقة في دول مختلفة، أجد أن أمامي معضلة تتمثل في الكل والجزء.

المؤتمر العالمي الذي سيقام في بالي - اندونيسيا 24-27 نوفمبر الجاري تحت عنوان «قوة الثقافة في التنمية المستدامة» يثير إشكالية قد تبعدنا عن الهدف المنشود وهو البحث عن تعريف المفهوم الأفضل وكذلك إشكالية تجزئة الكلّي، فمثلاً عندما نتحدث عن قوة الثقافة في التنمية المستدامة، يأتينا شعور بأن الثقافة إضافة خارجية تعطي للتنمية قوة، بمعنى آخر أننا يمكننا إضافة أي شيء آخر للتنمية لتعطيها نكهة أخرى على سبيل المثال.

فلا يوجد في ظني تنمية لا يكون محورها الإنسان، فإن كان جوهر التنمية كما تراه الكتابات والدراسات هي التنمية الاقتصادية الاجتماعية فهذا يعني أننا نتحدث عن البناء التحتي، والذي يعكس بشكل جدلي بناءً فوقياً يتمثل في الثقافة ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات السياسية والحقوقية التي تشمل حقوق الإنسان في الحرية والكرامة والعيش الكريم، فإذا كان الأمر كذلك في هذه العلاقة الجدلية بين البناء التحتي والبناء الفوقي، إذاً نحن نتحدث عن وحدة عضوية بين التنمية والثقافة، بحيث لا يكونان في وضع متقابل أو مستقلين عن بعضهما، بل يوجدان كشيء واحد متكامل.

أما الحديث عن مفهوم «المستدامة» فهي عملية تعتبر تحصيلاً حاصلاً، بمعنى أن سيرورة التطور البشري تفرض استمراراً للتنمية ولذا لا يمكن اعتبارها هدفاً في حد ذاته، بل هي جزء أصيل من التنمية الإنسانية، فالاستمرارية هي ضرورة موضوعية مواكبة لكل تطور بشري واكتشاف علمي.

ونلاحظ أن العلوم بمجملها تتجه نحو الكلّية Holistic سواء في العلاج النفسي والبدني معاً أو فيما يسمى بالطب البديل، فالتقدم لا يكمن بالجزئيات وهذا ينطبق على الانهيار كذلك، وللتبسيط وعلى سبيل المثال، ففي الكويت سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي عندما تبنى منطقة سكنية، توضع من ضمن مخططاتها المستوصف الطبي والحديقة العامة ودار للعرض المسرحي والجمعية التعاونية والمكتبات العامة ومركز للشباب، هذا إضافة إلى المدارس والمناهج المتطورة وكل مستلزمات سكان المنطقة المادية والروحية أو المعنوية أو الثقافية.

كما لا يمكن أن تقام عملية تنمية حتى وإن كانت إنسانية في ظل استبداد وتقييد للحريات وديموقراطية شكلية، ودون إصلاح سياسي حقيقي ونظام ديموقراطي متطور وكامل، وقوانين انتخابية عادلة وشفافة، وسيادة القانون ومؤسسات المجتمع المدني والعمل الجاد للقضاء على الفساد وإقامة مجتمع العدالة الاجتماعية الحقيقية، ودون قيام الدولة بواجب الرعاية الاجتماعية ضمن مساواة في ظل القانون وتكافؤ للفرص.

إذن سيظل العالم دولاً وشعوباً بعيداً عن تحقيق التنمية الإنسانية في ظل التعامل مع الجزئيات، فلا يمكن إصلاح التعليم على سبيل المثال في نظام سياسي مهترئ، ولا يمكن معالجة ظاهرة سلبية مثل العنف دون النظر بكلية لجوهر البناء التحتي أي الاقتصادي الاجتماعي، فالترقيع لا يأتي إلا بترقيع تنموي وليس شاملاً وكلياً.

فعند البحث عن حلول لأزمات مثل السكن أو البطالة أو التعليم أو الخدمات الصحية وغيرها، لا يجب التفكير بحل كل منها على انفراد، حيث ان هذه الأزمات تعود إلى أزمة عامة هي الإدارة السياسية والنهج السياسي والسلطوي.

هنا فقط يمكن الحديث عن تنمية إنسانية شاملة، وخاصة في ظل تغيرات عربية وعالمية محركها الفاعل هو الشعوب الباحثة عن حياة أفضل، تتمثل بالحرية والكرامة والعيش الكريم والرخاء، في ظل بيئة صحية وأنظمة سياسية غير مستبدة أو منفردة بالقرار ولا تراعي مصالح شعوبها.

وليد الرجيب
osbohatw@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0