هل أخطأ المجلس في شطب استجواب رئيس الوزراء؟


موافقة مجلس الأمة على طلب شطب أجزاء من استجواب النائب رياض العدساني، المقدَّم لرئيس مجلس الوزراء في جلسة 2013/11/13، بناءً على طلب الأخير، لابد أن تُثير القلق حول تقليص صلاحيات مجلس الأمة في ممارسة اختصاصاته في الرقابة على السلطة التنفيذية، وعلى الأخص مساءلة رئيس الوزراء، والخشية من أن يقود ذلك إلى تحصين مركز رئيس الوزراء من المساءلة، وقد يعذر رئيس الوزراء في طلبه، إذ استند إلى تفسير سابق للمحكمة الدستورية، صدر بناءً على طلب الحكومة لدى تقديم استجواب لرئيس الوزراء السابق، وكان قرار المحكمة، بأن كل استجواب يوجَّه إلى رئيس مجلس الوزراء سينحصر نطاقه في حدود اختصاصه في السياسة العامة للحكومة، من دون أن يتعدَّى ذلك إلى استجوابه عن أعمال من اختصاصات الوزراء، كما لا يجوز استجوابه عن أعمال سابقة على توليه مهام منصبه.

ما يُثير القلق، أن قرارات المحكمة الدستورية جاء الكثير منها استجابة لطلب الحكومة، وهي مسألة مثارة دولياً حول ما إذا كان جائزاً لسلطة غير السلطة التشريعية إصدار قرارات نافذة يكون من شأنها تقليص سلطات البرلمان.

العلاج بالخارج

من القرارات الصادرة في الكويت بهذا الشأن، قرار المحكمة الدستورية عام 1982 حول سؤال عن مصاريف العلاج بالخارج، وقضت المحكمة الدستورية، وقتها، بأن الإفصاح عن ذلك يُعد مساساً بالخصوصيات الشخصية، وهو ما يثير التساؤل، مادام الموضوع يمسُّ استخدام المال العام والتصرُّف فيه، ألا يخضع ذلك لرقابة السلطة التشريعية، للتأكد من سلامة الصرف الذي قد يكون كبيراً جداً؟!

السياسة العامة للحكومة

أما موضوع عدم جواز مساءلة رئيس الوزراء، في ما يتعلق بالسياسة العامة للحكومة، ولا يُساءل عن الأعمال التي تكون من اختصاصات الوزراء، وفقاً للمادة 130 من الدستور، التي تنص على أنه: «يتولى كل وزير الإشراف على شؤون وزارته، ويقوم بتنفيذ السياسة العامة للحكومة فيها».. هذا صحيح، ولكن الوزراء مسؤولون أمام رئيس الوزراء، وفق المادة 127 من الدستور، إذ تنص على: «يتولى رئيس مجلس الوزراء رئاسة جلسات المجلس والإشراف على تنسيق الأعمال بين الوزارات المختلفة».. واختيار الوزراء وتعيينهم يأتي بناءً على ترشيح رئيس الوزراء، وكذلك ما يتعلق بإعفائهم من مناصبهم، فهو الذي يختار فريقه، وهو الذي يقترح إعفاء أي منهم، فإذا كان كل وزير مسؤولاً عن أعمال وزارته، فهم مسؤولون أمامه عن أعمالهم، وهو الذي ينسّق الأعمال بين وزاراتهم، والمادة 57 من الدستور تنصّ على أن «رئيس الوزراء والوزراء مسؤولون، بالتضامن، أمام الأمير عن السياسة العامة للدولة، كما يُسأل كل وزير عن أعماله».

تضامن

فإذا كان رئيس الوزراء والوزراء مسؤولين أمام الأمير، بالتضامن، فهم كذلك يفترض أنهم مسؤولون بالتضامن أمام السلطة التشريعية، استناداً إلى قرار المحكمة الدستورية، بعدم جواز مساءلة رئيس الوزراء في مسائل من اختصاص الوزراء، ويُساءل فقط في ما يتعلق فقط بالسياسة العامة للحكومة، ما يُثير التساؤل حول ما السياسة العامة للحكومة؟ أليست إدارة شؤون الدولة، من خلال الوزارات والمؤسسات العامة؟!

أي أن تنفيذ السياسات العامة للحكومة، هو ما تقوم به الوزارات والمؤسسات التي يتبع كل منها وزير معين، والسياسة العامة للحكومة يرسمها مجلس الوزراء، برئاسة رئيسه، فقد نصَّت المادة 123 من الدستور على: «يهيمن مجلس الوزراء على مصالح الدولة، ويرسم السياسة العامة للحكومة».. ووفقاً للمادة 127، يتولى رئيس الوزراء رئاسة جلسات المجلس والإشراف على تنسيق الأعمال بين الوزارات المختلفة، فهو شريك فعلي في تحديد الأعمال المنوطة بكل وزارة، وهو الذي ينسّق بين الوزارات ويُشرف عليها.

جدل واسع

وقد أُثير جدل واسع حول هذا الموضوع في لجنة الدستور، ووقفت اللجنة أمامه، وأشير هنا إلى أجزاء منه، وكان رأي الأغلبية، وهم رئيس اللجنة عبداللطيف ثنيان، ووزير العدل حمود الزيد، ويعقوب الحميضي، بأن رئيس الوزراء مسؤول عن تنفيذ سياسة الحكومة المنوطة بالوزراء، إذ كيف نحاسب المنفذ، ونعفي المسؤول، وهو رئيس الوزراء؟

قال رئيس اللجنة عبداللطيف ثنيان: «أنا أقول إذا كان الوزراء، كل منهم مسؤول عن التفصيل في خصوص وزارته، فإن السياسة العامة للحكومة، وهي الأهم، مسؤول عنها رئيس مجلس الوزراء».

وقال وزير العدل حمود الزيد الخالد: «إذا كان رئيس الوزراء هو الذي يرسم السياسة والوزير ينفّذ، فكيف نحاسب المنفذ، ولا نحاسب المسؤول الأول عن هذه السياسة؟».

ويضيف وزير العدل: «الدستور بهذا يصبح متناقضاً، إذ يصبح المسؤول الأول في الوزارة، وهو رئيس الوزراء، غير مسؤول ويتصرَّف في جميع الأمور على هواه، من دون رقابة من مجلس الأمة»، ثم يضيف رئيس اللجنة عبداللطيف ثنيان: «هذا لا يجوز، لأن الوزارة، بكاملها، ترسم السياسة، والمسؤول عن السياسة هو رئيس الوزراء، وهذا أهم ما في الموضوع».

قدر من المسؤولية

وأوضح مستشار اللجنة، د. عثمان خليل عثمان، بقوله: «رئيس الوزراء ليس خالياً من المسؤولية كلية، بل هناك قدر من المسؤولية، فإذا وجد المجلس أنه لا يمكن التعاون معه يرفع الأمر للأمير».

وبناءً على ذلك، فإن رأي اللجنة، هو أنه لا تمييز بين تقديم الاستجواب لرئيس الوزراء أو الوزراء، والتمييز فقط في إجراءات طرح الثقة أو نزعها، فإذا قرر المجلس عدم الثقة بأحد الوزراء، اعتُبر معتزلاً للوزارة من تاريخ قرار عدم الثقة، ويقدم استقالته فوراً.

أما قرار عدم الثقة برئيس مجلس الوزراء، وفقاً للمادة 102 من الدستور، وهو ما عبّر عنه بعدم إمكان التعاون مع رئيس الوزراء، فهو لا يستقيل فوراً، مثل بقية الوزراء، ولكن يرفع الأمر لرئيس الدولة، وللأمير أن يعفي رئيس الوزراء، أو يعيّن وزارة جديدة، أو يحلّ المجلس.

المسؤولية تضامنية

لا يوجد تمييز في تقديم الاستجواب بين رئيس الوزراء أو أي وزير آخر، ويعزز ذلك منطوق المادة 124 من الدستور، التي نصَّت على أن «تسري في شأن رئيس مجلس الوزراء سائر الأحكام الخاصة بالوزراء، ما لم يرد نص على خلاف ذلك»، ولا يوجد نص في الدستور يميّز في تقديم الاستجواب لرئيس الوزراء عن بقية الوزراء، والفرق فقط في الإجراءات والخطوات التي تعقب سحب الثقة.. وفضلاً عن ذلك، فإن المادة 58 تنص على أن «رئيس مجلس الوزراء والوزراء مسؤولون، بالتضامن، أمام الأمير عن السياسة العامة للدولة، كما يُسأل كل وزير أمامه عن أعمال وزارته».

فالمسؤولية إذن تضامنية في الأساس، ورئيس الوزراء مسؤول عن وزرائه، فهو الذي يُشرف عليهم، ويُنسّق بين أعمال وزاراتهم.

وينبغي التأكيد أن السياسة العامة للدولة والسياسة العامة للحكومة، تعابير لأمر واحد، وهو إدارة شؤون الدولة التي يُهيمن عليها مجلس الوزراء.

ومن هنا ينشأ القلق والمخاوف من أن تؤدي قرارات المحكمة الدستورية مع موافقات مجلس الأمة المتوالية إلى تقليص صلاحياته، أي إن المجلس يوافق على تقليص صلاحياته بنفسه، في ممارسة أهم مهامه، وهي الرقابة على أعمال الحكومة، فنصبح بذلك أمام تعديل الدستور بالقضم، وهو أمر خطير مع افتراض حُسن النوايا.

بقلم: عبدالله النيباري
أضف تعليقك

تعليقات  0