شمعة وظلام!


"أن تشعل شمعة خير من أن تلعن الظلام" مثل صيني قديم يُنسَب إلى الفيلسوف كونفوشيوس، وقد يكون من معانيه أن المبادرة والعمل، ولو كان صغيراً، هو أفضل من البقاء في حالة من السلبية والتذمر طوال الوقت، وأقرب مرادف لهذه الحكمة في ثقافتنا الكويتية قد يكون "هز طولك ولا تتحلطم وايد"!

هذا المثل الصيني ينطبق اليوم على ردة فعل دول الخليج أو حتى بعضها على الاتفاقية الأخيرة بين إيران والدول الكبرى بشأن المشروع النووي الإيراني، على الرغم من أن الاتفاقية لم تضف شيئاً جديداً بل وثقت الحالة الراهنة واحتوتها من أي توسع مستقبلي، وهي إبقاء الطاقة النووية لإيران داخل دائرة الاستخدام السلمي دون الوصول إلى مستوى إنتاج الأسلحة الاستراتيجية.

يفترض أن تصب الاتفاقية في مصلحة السلام الإقليمي وتجنيب المنطقة أي مواجهات عسكرية نووية خاصة على صعيد ضفتي الخليج، وقد تكون إيران هي الرابح الأكبر من هذه الصفقة باعتبارها مدخلاً لتطبيع العلاقات مع أوروبا، وتحييد حالة العداء الأميركية، وبدء مرحلة متقدمة من العلاقات الاستراتيجية مع روسيا، ولعل المساهم الأكبر في هذا الاختراق الدبلوماسي هو الشعب الإيراني الذي اختار الاعتدال السياسي المتمثل في الرئيس روحاني لإعادة ترتيب أوراقها كقوة إقليمية في الشرق الأوسط، وهذه ثمرة سنوات طويلة من المفاوضات الشاقة والعقوبات الاقتصادية مع استغلال الضعف الأميركي وارتباك الدبلوماسية الأوروبية وصعود النجم الروسي بذكاء خارق.

وعلى الجانب الآخر تستمر دول الخليج في لعن الظلام و"التحلطم" السياسي، رغم كل إمكانات القوة التي تتمتع بها، فقد بلغ حجم الإنفاق العسكري لدول مجلس التعاون في عام 2012 نحو 100 مليار دولار وفقاً لإحصاءات "معهد ستوكهرلم الدولي" مقابل 6 مليارات دولار لإيران، و4.5 مليارات لأكبر دولة عربية هي مصر، وتجاوز هذا الرقم الخليجي كل من روسيا وبريطانيا وفرنسا في إنفاقها العسكري، فلماذا لم توفر لنا هذه المبالغ الخالية أي ردع عسكري ولم تحقق أي توازن للقوة في المنطقة؟

دبلوماسياً وسياسياً تعاني دول الخليج أضعف حالاتها، حيث فقدت الكثير من حلفائها، خصوصاً في الغرب ولم تنجح العواصم الخليجية في بناء شبكة بديلة من العلاقات لترمم ما قد ينتج عن إدارة الولايات المتحدة وأصدقائها ظهرها لنا رغم إمكانات القوة الاقتصادية والخبرة السياسية لحكوماتها، وراهنت بعض دول مجلس التعاون على حروب وصراعات الغير في سورية ومصر وليبيا فخسرت الكثير.

وداخلياً أصبحت خلافات القصور الحاكمة وصراع الأمراء على كل لسان وعلى صفحات الجرائد العالمية وفي المواقع الإلكترونية، واعتلت في هذه الدول بدون استثناء المطالبات الصريحة بالإصلاح السياسي والمشاركة الشعبية بعدما ضرب الفساد أعلى مؤشراته في نهب الأموال العامة والمحسوبيات وتردي الخدمات، إلا ما ندر، حيث غرقت معظم دول الخليج في شبر من الماء بسبب أمطار نكاد نراها كل عشر سنوات مرة!

الخلافات بين الأسر الحاكمة لم تعد بدورها خافية على أحد، والوساطة الكويتية في إصلاح ذات البين في الخليج أصبحت أصعب وأشق من تجميع كل دول آسيا وكل أمم إفريقيا على أرض الكويت!

هذا هو الظلام الحقيقي الذي يحيط بنا في منظومة مجلس التعاون، ومنذ نصف قرن نعلق مشاكلنا على الآخرين، أليس من الأجدر أن تهز حكوماتنا طولها وتعمل وفق طموحات شعوبها بدلاً من أن "تتحلطم" ليل ونهار؟!

أضف تعليقك

تعليقات  0