قراءة في تفاصيل الاتفاق النووي الإيراني


بعد لحظات من توقيع إيران والقوى العالمية على اتفاق نووي تاريخي الأحد، كان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ينظر بالفعل إلى الجهود "الأكثر صعوبة"

 للتحقيق في قدرات طهران النووية ومحاولة تهدئة المخاوف الدولية من أن هذه القدرات لا يمكن تحويلها إلى تطوير أسلحة نووية. وقال الرئيس الإيراني حسن روحاني، على الجانب الآخر، إن بلاده مستعدة "لإزالة الشكوك" إزاء برنامجها النووي، الذي تصر طهران على سلميته التامة.

توقعات كيري ووعود روحاني تشكل الأشهر الستة المقبلة في الخطوة الأولى من اتفاق قد يساعد في إعادة تحديد سياسة المنطقة وإعادة تشكيل العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران بعد ما يقرب من خمسة وثلاثين عاما من تبادل الاتهامات والشكوك. عمليات التفتيش الصارمة والواسعة من جانب الأمم المتحدة قادمة. كما يجب على إيران الالتزام بالغاية من الاتفاق باتخاذ إجراءات مثل الحد من تخصيب اليورانيوم ووقف العمل على بناء مفاعل جديد.

وفيما يلي قراءة للأسوشيتد برس في تفاصيل الاتفاق الذي أبرم في جنيف:


إيران تتراجع


من وجهة نظر تنطوي على عمليات حسابية معقدة، فإن التزام إيران بالاتفاق سيجعل مستويات التخصيب والمخزون غير كافية لتصنيع سلاح نووي أو التحرك سريعا تجاه امتلاك قدرة تصنيع رؤوس حربية.فمحور الاتفاق هو درجة تخصيب اليورانيوم الإيراني، وهو عملية تحويل اليورانيوم المركز إلى وقود نووي.

وقد تعهدت إيران بعدم تجاوز عملية التخصيب مستوى الخمسة بالمائة. وهذا المستوى أدنى من المستوى اللازم للوصول إلى درجة تصنيع الأسلحة التي تتجاوز 90 بالمائة. وسيسمح ذلك لإيران بتصنيع وقود لمفاعلها الوحيد لتوليد الطاقة، وهو مفاعل شيدته روسيا في بوشهر على الخليج العربي. لكن ذلك سيجعل المستويات منخفضة للغاية لدرجة لا تسمح بتصنيع سلاح أو حتى محاولة سريعة فيما يطلق عليه "اختراق" نحو قوة الرؤوس الحربية.

لدى إيران بالفعل مخزون كاف من اليورانيوم المخصب بدرجات عالية: وهو ما يقدر بنحو 185 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بدرجة 20 بالمائة، وهذا أعلى مستوى أقرت به طهران. ويدعو اتفاق جنيف إيران، على مدار الأشهر الستة المقبلة، إلى "تحييد" هذه المادة إلى ما دون الخمسة بالمائة أو تحويلها إلى مسحوق، وهو ما يجعلها صالحة للاستخدام كوقود نووي لكن من الصعب للغاية تعزيزها مرة أخرى. وخلال السنوات الأخيرة، حولت إيران كمية من اليورانيوم المخصب بدرجة 20 بالمائة إلى مخزونها الحالي.

ويجب توافر أجهزة طرد مركزي متخصصة في عملية التخصيب. ومنع الاتفاق تركيب أي أجهزة طرد مركزي جديدة خلال الأشهر الستة المقبلة. ويعني ذلك أن إيران لا يمكن أن تسرع إنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة خمسة بالمائة.

وبعيدا عن التخصيب، وافقت إيران كذلك على وقف العمل في مفاعل للمياه الثقيلة من المخطط إنشاؤه في آراك، على بعد 255 كيلومترا جنوب غرب طهران. والماء الثقيل مركب يستخدم في تبريد المفاعلات النووية، التي لا تحتاج اليورانيوم المخصب لتشغيلها. ومفاعلات الماء الثقيل تنتج أيضا كمية أكبر من البلوتونيوم كأحد المنتجات الثانوية، وهو ما يمكن استخدامه لتصنيع مواد رؤوس حربية. ولا تمتلك إيران حاليا التكنولوجيا اللازمة لاستخراج البلوتونيوم، ووعدت في جنيف بعدم السعي لامتلاكها.


تدخل الأمم المتحدة


قام مفتشو الوكالة الدولية للطاقة النووية التابعة للأمم المتحدة بزيارات متكررة إلى المنشآت الإيرانية طوال سنوات. ويعطي اتفاق جنيف للمفتشين إمكانية اطلاع أوسع وأسرع كمحور للمراقبة والتنفيذ.

ووافقت ايران على أن توفر لفرق الوكالة الدولية للطاقة الذرية إمكانية الوصول بشكل يومي إلى موقعي التخصيب الرئيسيين في نطنز وفوردو. ويقع مفاعل نطنز على بعد نحو 260 كيلومترا جنوب شرقي طهران، ويوجد به المنشأة الرئيسية لتخصيب اليورانيوم. أما مفاعل فوردو، الذي بني بجوار أحد الجبال، فيقع على بعد نحو 100 كيلومترا جنوب طهران، وقد كشفت عنه إيران عام 2009. ويوجد المفاعل في منطقة محمية بشكل كبير من قبل الحرس الثوري.

وقام مفتشو الامم المتحدة بالتجول في الموقعين، لكن اتفاق جنيف يسمح بإمكانية الوصول بشكل يومي لمراجعة كاميرات المراقبة التابعة للأمم المتحدة.

وتمتد مسؤولية الامم المتحدة كذلك إلى مواقع بناء أجهزة الطرد المركزي ومواقع التخزين، ومناجم اليورانيوم، والمزيد من التدقيق لجميع جوانب مفاعل أراك المخطط إنشاؤه.

ومن بين التنازلات الأخرى المهمة التي قدمتها إيران، تعهدها بمعالجة جميع المخاوف في قرارات مجلس الامن الدولي بشأن طموحات طهران النووية. ومن بين هذه المخاوف الرئيسية موقع بارشين العسكري الذي يقع خارج العاصمة طهران؛ حيث يشتبه في أنه يضم منشأة سرية تحت الأرض تستخدم في برنامج إيران النووي، وهو ادعاء تنفيه إيران.وزار مفتشو الامم المتحدة الموقع مرتين، لكنهم يسعون لزيارته مرة ثالثة.


هل هو اتفاق يكسب فيه الجميع؟


قبل التوصل لاتقاق كان الرئيس الإيراني كثيرا ما يقول إن تسوية المأزق النووي هو مقترح "يكسب فيه الجميع". وعلى المدى القصير ربما يتحول الأمر إلى نجاح للرئيس روحاني على نظيره الأمريكي باراك أوباما، الذي يواجه انتقادات من المحافظين الذين يصفون الاتفاق بأنه استرضاء، بينما تدين إسرائيل، الحليف الرئيسي لأمريكا في الشرق الأوسط الاتفاق من كل جوانبه؛ حيث قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن الاتفاق يمثل "خطأ تاريخيا".

ويواجه روحاني في بلاده معارضة متشددة، وهي معارضة تشعر بقلق متزايد حيال تواصل إيران مع واشنطن. لكن روحاني يحظى بدعم من المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، ويتوقع أن يؤدي الاتفاق إلى زيادة شعبية حكومته، وذلك لأن إيران لن تتخلى عن العناصر الأساسية لبرنامجها الخاص بتخصيب اليورانيوم، الذي ينظر إليه باعتباره رمزا للصورة التي تروج لها إيران باعتبارها الزعيم التكنولوجي للعالم الإسلامي.

وكان خامنئي قد اعتبر تخصيب اليورانيوم في المحادثات "خطا أحمر". وقد أعطى قرار القوى العالمية بالسماح ايران بتخصيب اليورانيوم - مع التركيز على مستويات الإنتاج - لروحاني مصداقية كبيرة في الداخل كما سمح بمضي الخطوة الأولى في الاتفاق إلى الأمام.


العصا والجزرة والعقوبات


وبالنسبة للغرب فإن الصفقة لا تمثل ترادعا كبيرا عن العقوبات؛ فإيران مازالت تخضع لحظر واسع أمام الشبكات المصرفية الدولية ومبيعات النفط، التي حرمت إيران من مصدر رئيسي للعملة يوفر لها أكثر من نصف العملة في البلاد.

لكن الاتفاق يقضي بتخفيف بعض العقوبات على الذهب وغيرها من المعادن الثمينة، وكذلك على صناعات السيارات والطيران في إيران وكذلك على صادرات البتروكيماويات.

ووافقت القوى العالمية في المحادثات - وهي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا - كذلك على تأجيل أي عقوبات جديدة تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني لمدة ستة أشهر على الأقل في مقابل الالتزام الإيراني بالاتفاق.

ويسمح الاتفاق أيضا بتحويل 4.2 مليار دولار من مبيعات النفط على دفعات على مدى الأشهر الستة المقبلة مع الالتزام بالمراحل المختلفة لتنفيذ الاتفاق. ويعد هذا مبلغا ضئيلا للغاية في هذا البلد الذي كان يوما واحدا من أكبر مصدري النفط في منظمة أوبك.

ويقدر البيت الأبيض إجمالي الفوائد التي تحصل عليها إيران بنحو سبعة مليارات دولار، والتي وصفت بأنها "جزء صغير" من العقوبات المالية التي استهدفت إيران طوال عام ونصف.

وإذا رفضت إيران الالتزام بمعايير الاتفاق فإن مكانتها الدولية ستكون في حالة سيئة كما ستفقد فرص تخفيف المزيد من العقوبات. ويرجح أيضا أن تؤدي إلى تصاعد الدعوات من إسرائيل ودول عربية خليجية لتنفيذ عمل عسكري محتمل ضد المنشآت النووية الإيرانية.

أضف تعليقك

تعليقات  0