تداعيات إتفاق طهران على دول "مجلس التعاون الخليحي"


خرج "الاتفاق النووي الإيراني" من رحم المخاوف المهددة بالتباطؤ العالمي الذي كان من المتوقع أن يؤثر سلباً على ضعف النمو في الشرق الأوسط، وبذلك تصدّر اهتمامات دول المنطقة والدول الكبرى في العالم، ليظهر وكأنه إتفاق مسبق على مرحلة جديدة تعد بإنعاش اقتصادي جديد لمنطقة الخليج العربي، حيث أن المنافسة الحادّة ستتفاقم بين عدد كبير من الدول المنتجة للنفط، الأمر الذي سيؤدي الى نزاع تجاري كبير على الحصص، ما سينتج عنه منح امتيازات وتسهيلات كبيرة للدول المستهلكة أو المستوردة للنفط من تلك المنطقة، وبشكل خاص أسواق شرق آسيا.



أما فيما يتعلق بنتائج "الاتفاق النووي الإيراني"، فإن الإمدادات النفطية الايرانية سترتفع لتزيد نسبة المعروض في أسواق النفط العالمية، لا سيما أن هدوء إضطرابات المنطقة سيكون في الطليعة.. بعد أن كانت الإضطرابات بين الخليج العربي وإيران في ذروتها بسبب الأوضاع السياسية والجيولوجية المرتبطة بـ "الملف النووي الايراني" حيث أنه يعتبر عاملاً أساسياً لعدم استقرار أسعار النفط في الشرق الأوسط والعالم.





وفي حال التزام إيران بشكل كامل في مسار الاتفاق، فإنّ اقتصادها سينجو من كل العقوبات الاقتصادية الأخرى خلال الأشهر الـ 6 القادمة، ما سيؤدي الى فكّ عقوبات معينة كانت مفروضة على بعض الصناعات الإيرانية الأخرى غير النفط، ومنها الصادرات البتروكيماوية، والسيارات الإيرانية، والذهب ومواد أخرى.


كما سيكون بمقدورها تحويل مبلغ 4.2 مليار دولار من مبيعات نفطها إلى الداخل، وستتمكن أيضاً من تحويل مبلغ 400 مليون دولار أميركي من أموالها إلى مؤسسات تعليمية في دول أخرى لسداد مصاريف الطلبة الإيرانيين المبتعثين للخارج.



أما الآثار السلبية التي ربما تنتج، فستنهال بشكل كبير على دول "مجلس التعاون الخليجي"، بعد أن تسبّب الاتفاق "الأميركي-الإيراني" بتقليص الدور الأساسي والضخم لحجم النفط الخليجي، حيث ستعتمد أسعار النفط العالمية على عوامل متنوعة لتتحكم بالأسعار، منها الاحتياطيات العالمية الراكدة، الأمر الذي سيؤدي الى طلب النفط ليس فقط من دول الخليج، خلال الفترة القادمة..



وعلى صعيدٍ عربي، يتوجّب على دول المجلس الإنخراط في هذا الاتفاق الذي يأتى محمّلاً بانعكاسات ايجابية كثيرةً، واستغلال كل ما أمكنهم منه، فالإمارات مثلاًَ كانت قد خسرت أكثر من ثلثي حجم التبادل التجاري بينها وبين ايران بسبب تلك العقوبات، وبعد الإتفاق سيكون من المرجّح أن تصبح من أوائل المستفيدين من الانتعاش الحاصل، في ظل سهولة تواصلها مع إيران من حيث مرونة الاقتصاد الذي تتمتع به والذي يمكن أن يستوعب النشاط التجاري، إضافة الى قرب موقعها جغرافياً، ما يسهّل تواصلها مع إيران.




وفي حال تطور الاتفاق النووي" ليقر تخفيفاً دائماً للعقوبات الدولية المفروضة على إيران، فقد تكون دبي المستفيد الأول من زيادة التدفقات المالية والتجارية. فيما ستنخفض أسعار النفط إثر استئناف مبيعات الخام الإيراني، ما سيؤثر سلباً على الإيرادات السعودية بشكل خاص.



ويبقى التخوّف من المرحلة القادمة، أن يقع تصادمٌ في المصالح على الاسواق المستهلكة، فالحركات التجارية جميعها قد تتلاقى في مجال البحث عن مناطق التصدير، حيث تكمن القوة التنافسية للدول الكثيفة سكانياً، والتي ستكون قادرة على تصدير نفطها عن طريق المقايضة بتبادلات تجارية، أو سلع أخرى وخدمات متنوعة، وهو الأمر الذي لا تقدر عليه دول الخليج التي لا يناسبها إلا التعامل بالنقدي، وبالدولار على وجه خاص.



كما يتزايد القلق الخليجي، مع تزايد اعتماد الولايات المتحدة الأميركية على نفسها في مجالات الطاقة بفضل مخزوناتها من الغاز، والذي ربما يكون سبباً سائغاً لجعل واشنطن أقل التزاما بحماية "مضيق هرمز" الذي تمر عبره نسبة 40% من الصادرات العالمية للنفط المنقولة بحرا.



هذا بالإضافة الى لمس دول الخليج ضرورات خفية تدفع الولايات المتحدة للتواصل مع إيران، كتلك الضرورات التجارية التي كانت سبباً في تعاونها معهم منذ عقود، ولا يخفى عليهم أن مصالح الولايات المتحدة هي الأساس في علاقاتها، كما لا يخفى أن إيران تعتبر سوق مربحة بالنسبة لها، فهي تحتاج إلى إعادة بناء جزء كبير من البنى التحتية، ما سيدر المليارات على الشركات الأميركية اذا ما دخلت طهران..





لذا، فإن تصاعد المنافسة الشديدة، خاصةً على أسواق شرق آسيا هو أكبر تداعيات الاتفاق، مع العلم أن هذه المنافسة ستحركها عوامل تتمثل بدخول دول جديدة كالعراق والكويت على ميزان التنافسية، ما سيزيد معدلات الانتاج بشكل تلقائي، هذا بالإضافةً الى تراجع طلب الولايات المتحدة على نفط دول الخليج.



ولا يمكن التغافل عن أن عودة النفط الايراني -بطريقة مشروعة- الى الساحة سيكون مدعوماً بضعف الميزانية الايرانية، وحاجة ايران الى ترميم اقتصادها المتردي، الأمر الذي قد يشجّع ايران على اعطاء عقود افضلية، وميزات تنافسية، وامتيازات شرائية للدول آسيوية، ما سيتسبب بإشعال المنافسة القادمة بين الدول المصدّرة للنفط على محيط الشرق الأوسط.


إعداد : زكريا شريف



أضف تعليقك

تعليقات  0