كونغولية وصلت الكويت لدراسة «العربية» ... فوجدت نفسها أسيرة بين تجار البشر

من ينقذ فتاة كونغولية في السادسة عشرة من عمرها من «براثن» تجار البشر؟!
ومن يعيد لتلك الفتاة ثقتها وفخرها بالكويت التي كانت تحلم بزيارتها لتتعلم فيها لغة القرآن الكريم فاكتشفت أنها بيعت في سوق الخادمات؟
ومن يحاسب تلك المكاتب التي تستقدم فتيات بالكاد بلغن الحُلم من أجل حفنة من الدنانير تضيع في سفرة أو سهرة؟
أليس من أدوار رجال الشرطة وصميم أعمالهم أن يغيثوا الملهوف ويجيروا من احتمى بهم أم يتركوه ليلقى مصيره المجهول؟

تلك كانت بعضا من الأسئلة التي توجهت بها المواطنة المحامية غدير النجدي والتي أتت إلى مبناها مصطحبة معها فتاة كونغولية من مواليد 1996، اعتنقت وأسرتها الإسلام، وكان حلم حياتها أن تأتي في منحة دراسية للكويت لتتعلم اللغة العربية وبالفعل كان لها ما أرادت وجاءت للبلد الذي كثيرا ما حكى لها أبوها عن فضائله في نشر الإسلام لتفاجأ أنها بيعت واشتريت من دون أن تعلم.
الصدفة وحدها هي من أنقذ تلك الفتاة من مصير مجهول كما تقول المحامية غدير النجدي التي تواجدت في مخفر الجابرية قبل نحو اسبوع صدفة مع مديرة مكتبها فتوح عبدالله ليكتشفا مأساة تلك الفتاة.

المحامية غدير التي استأذنت من خلال اتصال هاتفي في الحضور إلى «الراي» طلبت منا تدبير من يتقن اللغة الفرنسية ليستمع إلى مأساة الصبية، وبدأت تحكي أول فصول المأساة قائلة «منذ سبعة أيام توجهت ومعي مديرة مكتبي إلى مخفر الجابرية لمتابعة إحدى القضايا الموكل فيها مكتبنا، لنفاجأ بتلك الفتاة تتحدث بلغة غريبة لم يفهمها شرطيو المخفر، وما أن رأتنا حتى أعطتنا هاتفا نقالا كان أحد أفراد المخفر أعطاه لها، وأشارت إلى المحامية غدير أن أتحدث مع من كان على الطرف الآخر».

وأضافت النجدي «ما أن امسكت غدير بالهاتف حتى سمعت من يحدثها باللغة العربية الفصحى، ويعرفها بنفسه قائلا (أنا زوج خالة الفتاة التي معكم وأحدثكم من سفارة الكونغو في السودان، ولا أعرف المشكلة التي تعرضت لها فوراحا)، هنا علمت أن فوراحا هذه هو اسم الفتاة التي لم تتوقف عن البكاء، وأنها من الكونغو، لكن ما لم أعلمه لماذا تبكي؟ وما مشكلتها؟، وعندما سمح لها رجال المخفر بالانصراف من دون التوصل إلى معرفة مشكلتها، والمصير المجهول الذي ينتظرها، نظرت إلي مديرة مكتبي ولسان حالها يقول هل سنتركها تمضي على هذه الحال؟، فأسرعنا إليها وأشرنا إليها أن تركب معنا السيارة فاستجابت لمطلبنا».


وزادت النجدي «ما لحظناه أن الفتاة لم تنم منذ أيام، لأنها ما أن ركبت معنا السيارة وشعرت بالاطمئنان حتى استسلمت إلى النوم، ولم تستيقظ إلا حين وصلنا إلى منزل الأخت فتوح، ولما يئسنا من فهم ما تقول، ونظراً لأنها لا تحمل أي إثبات شخصية كي أعمل لها وكالة، وليس لديها من يشهد على شخصيتها، ولا أحد يعرفها طيلة أيام قضتها معنا، هنا لجأت إليكم صحيفة
، علها تتعرف حكايتها، ومن خلال نشر صورتها نصل إلى أحد معارفها، فاتصلت وطلبت مترجما، وهاهي بين أيديكم».

انتهى الفصل الأول ولم نعرف بعد ما تخفيه تلك الفتاة التي لم تتفوه بكلمة، مكتفية بإعطاء أذنها لما تقوله المحامية غدير النجدي مع إنها لم تفهم منه كلمة، بعد أن طلبت بالإشارة كوبا من الماء.

انطلقت فوراحا في الحديث، لا تريد لأحد أن يوقفها بعد أن وجدت من يتواصل معها للمرة الأولى منذ نحو شهر بلغتها الفرنسية، لتروي مآسي جديدة وراءها حفنة من بني آدم امتهنوا الاتجار بالبشر في صورة جديدة لم نسمع عنها من قبل حيث قالت «أنا فتاة في السادسة عشرة من عمري منَّ الله على أسرتي بالإسلام فاعتنقناه دينا، ورضينا بمحمد نبيا ورسولا، وكان والداي يريدان أن أكمل دراستي في إحدى الدول الناطقة بالعربية كي يتسنى لي أن أحفظ القرآن الكريم باللغة التي نزل بها، وأحقق لهما حلم أن أعلم أهل بلدتي ما تعلمته في نهاية الرحلة، ومنذ ثلاثة أشهر فاجأني أبي أن حلمه سيتحقق حيث اتصل به شخص من كنشاسا، وأخبره أن هناك منحة دراسية لتعلم اللغة العربية في دولة الكويت، وأن تكاليف استخراج جواز السفر والفيزا ستتكلف 1500 دولار».

وأكملت فوراحا «على الرغم من أن والدي لا يملك سوى محل يبيع فيه بعض السلع التي يوفر من ربحها ما يكفينا، إلا أنه أصر على تدبير هذا المبلغ، فلجأ إلى جميع أقاربنا ونجح في أيام معدودة من تدبير ما طلب منه وأعطاه لمن سيحقق لي حلم السفر إلى الكويت ذلك البلد الذي كثيرا ما قرأ أبي عن دوره الكبير في نشر الإسلام وهداية الملايين من آسيا وأفريقيا إلى اعتناقه»
وتابعت «كنت فرحة لأنني سأزور الكويت التي كثيرا ما حدثني أبي عنها، وبالفعل أنجز ما كنت أظنهم دعاة خير جميع الأوراق واستخرجوا لي الفيزا التي لم أعلم محتواها كونها مكتوبة باللغة العربية، وركبت الطائرة من كانشاسا بتاريخ الثلاثين من أكتوبر».



«وعندما حطت الطائرة في مطار الكويت كنت في غاية السعادة لأنني أصبحت قريبة من تحقيق حلمي، وفي صالة الوصول وجدت هناك شخصاً بانتظاري، يحمل ورقة مكتوبا عليها اسمي فسارعت إليه وقبل أن يرحب بقدومي جردني من جواز سفري، وساقني إلى مكان عرفت أنه مكتب لاستقدام الخدم، وفي صباح اليوم التالي جاءني مواطن تسلمني، وأخذني إلى منزله، وحقيقة استقبلتني زوجته وأهل بيته أحسن ما يكون الاستقبال، وجهزوا لي غرفة، لكن المفاجأة كانت عندما أشاروا لي بالأعمال التي عليَّ أداؤها من طبخ وتنظيف وغيرها من أعمال الخادمات حينئذ لم أجد وسيلة للتعبير بعد أن عجزت لغتي الفرنسية عن إفهامهم السبب الذي من أجله قدمت إلى الكويت غير البكاء، فتعجبت راعية المنزل من الحال التي انتابتني، وحاولت حقيقة أن تهدئ من روعي، لكنني لم أستطع أن أتكيف مع واقعي الذي فرض علي».

وقالت «لم تجد هذه المواطنة الطيبة وزوجها طيلة إسبوعين قضيتها في هذا المنزل الذي يمتاز أهله بالطيبة بدا من إرجاعي إلى المكتب الذي استقدمني وهناك اكتشفت أنني ما جئت إلى الكويت لدراسة اللغة العربية كما كنت أحلم، حيث أخبرني راعي المكتب أن سمة دخولي خادمة، ولما أعلنت له رفضي قال لي بالحرف الواحد (نحن اشتريناك فإما أن تعودي إلى منزل مخدومك، أو تدفعي لنا 2500 دولار ثمن شرائنا لك من أبناء جلدتك حتى نعيدك إلى بلدك)، فقلت له لا أملك هذا المبلغ فما كان منه إلا أن اصطحبني إلى مكتب آخر بعد أن اعتذرت العائلة الكويتية على إرجاعي لمسكنهم».

وزادت «وفي المكتب الجديد رأيت تاجرا آخر من تجار البشر، أعطاني هاتفه وطلب مني محادثة أهلي في الكونغو والطلب إليهم إرسال مبلغ 2500 دولار حتى يتمكن من إعادتي إلى أهلي فكان رد أبي أنه لا يملك هذا المبلغ، هنا أخذ مني راعي المكتب الهاتف وقال لي (إذاً لابد أن تعودي إلى العمل خادمة حتى تسددي لي ما دفعته)، فأظهرت رفضي فقام بضربي و(التحرش) بي»
ومضت فوراحا تقول «مضت الأيام ثقيلة حتى سنحت لي الفرصة للهرب، فأطلقت العنان لقدمي في الشارع طالبة النجدة، فلبت النداء مواطنة كانت داخل سيارتها، ورحت أتحدث إليها بلغة المستغيث، لكنها لم تفهم لغتي بل فهمت إشارات الاستغاثة المنبعثة مني فحملتني في سيارتها وانطلقت بي إلى السفارة الإثيوبية ظناً منها أنني من أبناء جاليتها في السفارة وجدت من يتحدث الفرنسية فأخبرته بقصتي، فكان الجواب أننا لا نملك شيئا تجاهك، وكل ما علينا مساعدتك به هو تسليمك إلى المخفر، والأمنيون فيه سيقومون باللازم، وبالفعل أقلني أحدهم إلى المخفر وبدلاً من أن يدخل معي ويحكي لرجاله قصتي أنزلني وانطلق من دون أن يلتفت وراءه, دخلت المخفر ورحت أروي لمن فيه حكايتي لكنهم لم يستطيعوا فهم ما أقول، فأشرت لهم أنني أريد الهاتف فأعطاني أحدهم هاتفه واتصلت على زوج خالتي في السودان، في تلك اللحظة دخل علينا سيدتان أحدهما تلك المرأة -وأشارت إلى المحامية غدير- التي أخذت مني الهاتف وكلمته».

هنا اكتمل للمحامية فصول القصة التي لم تعرفها قبل أن ترويها فوراحا بنفسها، وعندما سألتها «الراي» لماذا لم تتوجهي إلى سفارة بلدك كانت الإجابة حاضرة على لسان غدير التي قالت «سألنا عن سفارة الكونغو فكانت المفاجأة أنه لا يوجد سفارة لهذا البلد في الكويت».

وعن السبب وراء قصد المحامية غدير لـ«الراي» أجابت أن «فوراحا لا تحمل إثبات شخصية وليس لها إقامة بعد في الكويت، ولخوفي عليها من الذئاب البشرية ولأنني لم أكن أعرف تفاصيل قصتها، فلم أجد أمامي غير منبركم عله ينشر صورتها فيتعرف عليها أحد».

وأكملت النجدي «ما لاحظته أن تجار البشر لم يتجاوزوا الحدود هذه المرة بضرب القوانين عرض الحائط فهم في الأساس لا يعترفون بالقوانين فكيف يلقون لها بالا، وإنما انطلق تجار الرقيق أو من يطلق عليهم تجاوزاً تجار الإقامات غير مكتفين بتخطي الحدود فقط، ولا تجاوز القوانين فحسب، بل تحايلوا هذه المرة وراحوا باسم الدين يبتكرون وسائل جديدة لاصطياد فرائسهم وضحاياهم
ليس من بلاد عربية أو آسيوية قريبة منا، بل شدوا الرحال هذه المرة إلى بلاد بعيدة لا تنطق العربية، ولا تعرف أبجديات حروفها، يتصيدون بعضا من أهلها منَّ الله عليهم بالإسلام فآمنوا واهتدوا، وعلموا أن هناك فرائض، فرضوا بها والتزموا، ولما أحسوا بحلاوة الإيمان أرادوا أن يقرأوا القرآن الكريم باللغة التي نزل بها، فبحثوا عن بلد اشتهر أهله بنشر تعاليم الإسلام وكان له السبق في هداية ملايين البشر... ذلك البلد هو الكويت».

وتابعت «بعد أن اتضحت معالم قصة من قصص مافيا تجار الإقامات كان لزاما علينا أن نبين لفوراحا المكان الذي هي فيه وأنها في صحيفة تسمى «الراي»، وسألانها عما تريد أن نفعله لها، فأجابت من دون مقدمات أريد أن أعود لوطني، وكفى ما جرى، وأنا على يقين أن الله سيجازي من يتاجرون بالبشر باسم الدين، ليجنوا من ورائنا حفنة من الدنانير، ينفقونها في سفرة هنا، أو سهرة هناك».

وذكرت «لم يعد لنا في الختام إلا مناشدة وزير الداخلية الشيخ محمد الخالد وجميع المسؤولين في الوزارة أن يعمل على استرداد جواز سفر فوراحا ممن اشتروها «بثمن بخس دنانير معدودة» حتى تعود إلى أهلها، تاركين لسموه اختيار ما يراه مناسبا في التعامل مع هذه الزمرة من البشر الذي لا يسيئون لأنفسهم، بل يسيئون إلى الكويت وسجلها الحافل في نشر الدين الإسلامي وحفظ كتابه».

أضف تعليقك

تعليقات  0