الرقابة المسبقة... لماذا؟


مجلس الوزراء يوافق مبدئياً على عرض وزير الإسكان المتضمن "إيجاد صيغة قانونية تعفي المؤسسة العامة للرعاية السكنية من الرقابة المسبقة لديوان المحاسبة وقانون المناقصات تلافياً للدورة المستندية الطويلة" ("الجريدة" 6 ديسمبر 2013).

هذا معناه أن السبب وراء إعفاء المؤسسات والأجهزة الحكومية من الرقابة المسبقة هو طول الدورة المستندية، وهو سبب يحسب ضد الحكومة وليس معها، إذ كان يجب عليها أن تُبسِّط إجراءات الدورة المستندية وتُسهلها إذا كانت تراها معقدة أو طويلة بدلاً من إلغاء الرقابة المسبقة في ظل استشراء الفساد بأشكاله كافة، كما تبيّن التقارير

المحلية والدولية وآخرها تقرير "منظمة الشفافية العالمية" لعام 2013. علاوة على ذلك، فإذا كان سبب إلغاء الرقابة المسبقة هو طول الدورة المستندية كما تدعي الحكومة، فالمفروض إلغاء الرقابة اللاحقة أيضا للسبب ذاته!

الدورة المستندية الطويلة التي تتذمر منها الحكومة وتتحجج بأنها سبب طلبها إلغاء الرقابة المسبقة على المشاريع الإسكانية المليارية التي بدأت تهل علينا فجأة، تخص أجهزتها الإدارية وليس ديوان المحاسبة، حيث إن الديوان مطالب بنص القانون (مادة 13) "بالبت في أمر المناقصة وإخطار الجهة بالنتيجة بمدة أقصاها سبعة أيام من تاريخ تلقيه لكل أوراق المناقصة ومستنداتها وبياناتها"، وهي مدة قصيرة للغاية لن يترتب عليها أي تعطيل لأي مشروع جدي وغير مخالف.

من الناحية النظرية تعتبر الرقابة المسبقة قيداً على الأجهزة الحكومية قد يترتب عليه أحياناً بعض التأخير، لذلك يفضل أن تكون الرقابة على المؤسسات والهيئات العامة لاحقة، ولكن إلغاء الرقابة المسبقة له متطلبات غير متوافرة الآن مع الأسف الشديد ومن ضمنها وجود أجهزة رقابية مستقلة وفاعلة، ووجود بيئة سياسية وإدارية غير فاسدة،

 ودور رقابي حقيقي لمجلس الأمة، بحيث يتعامل مع تقارير الجهات التي تقوم بالرقابة اللاحقة كـ"ديوان المحاسبة"، على سبيل المثال، بكل جدية ومسؤولية وليس كما تعاملت وتتعامل السلطتان مع المخالفات الجسيمة التي ترد في تقارير "ديوان المحاسبة"، والتي شكل بعضها محاور رئيسة لاستجوابات سابقة كاستجواب وزير المالية السابق في مجلس فبراير 2012 المُبطل، على سبيل المثال لا الحصر، وكانت نتيجتها مكافأة كبار المسؤولين الذين ارتكبوا هذه المخالفات بدلاً من محاسبتهم!

وعلى الرغم من بعض عيوب الرقابة المسبقة فإنها قد توقف جريمة سرقة المال العام، أما الرقابة اللاحقة ورغم بعض ميزاتها فإنها قد تفشل، خصوصاً في ظل ظروفنا الحالية، في الوصول إلى السارق المحترف الذي يتفنن عادة في إخفاء معالم الجريمة، مستغلاً ضعف الأجهزة الرقابية وقصور التشريعات والقوانين والأمثلة حولنا كثيرة يعرفها الجميع.

لذلك ونظراً لاستشراء الفساد بأشكاله كافة وغياب الدور الرقابي لمجلس الأمة، فإن الرقابة المسبقة ضرورية الآن أكثر من أي وقت مضى مع أهمية وجود مرونة في التعامل مع بعض المؤسسات العامة ذات الطبيعة الخاصة وضمن شروط محددة بدقة، بحيث يتم رفع سقف المبلغ الذي لا يحتاج إلى رقابة مسبقة من "ديوان المحاسبة" (حالياً أقل من 100 ألف دينار)، وهو الأمر الذي سيسهل العمل ويخفف الضغط على الديوان.

أضف تعليقك

تعليقات  0