نيلسون «ما ندلّه»!


نيلسون مانديلا اسم اقترن بالإنسانية عبر بوابة الكفاح والتحدي والشجاعة والصبر، وتوج خاتمته بروح التسامح والزهد السياسي، ومثل هذه الخصال لا يمكن أن تتوافر إلا في النوادر من جنس البشر خصوصاً عندما يكون الجاه والمنصب والزعامة على المحك.

رحل هذا الزعيم وقد خلّد سيرته في ركب العظماء وسحر قلوب الناس ليس في القارة الإفريقية حيث الظلم والاضطهاد والعبودية والتمييز العنصري التي كسر مانديلا قيودها وحلّق بها في سماء الحرية، ولكن على مستوى شعوب العالم، وإلا كيف نفسّر ذلك التفاعل الكبير والتلقائي على شبكة التواصل الاجتماعي مع شخصية هذا الرجل الذي اجتمع على محبته واحترامه الآسيوي والأميركي والعربي والصيني والإفريقي والأوروبي في آن واحد وبعفوية صادقة.

من المفارقات الجميلة في حياة هذا الرجل أنه وفي ذروة عهد التمييز العنصري والعتبة الإعلامية كان أقوى من جلاده في الإصرار والمواجهة والشراشة رغم ضعف إمكاناته وحالة اليأس التي أغرقت أتباعه في بحر الاستسلام والرضوخ، فدفع ضريبة قاسية حيث أودع الحبس الانفرادي لمدة ثلاثة عقود كانت هي حقبة شبابه وحماسه.

لكن السجن لمانديلا كان مصباح علاء الدين، فبعد ثورة الشعب الإفريقي في بداية التسعينيات خرج هذا المارد من قمقمه وإذا به عملاق من نوع آخر، قامة في الكبرياء ونموذج للعفو والإحسان وكبير في

حلمه، فاختار مبدأ التسامح على غضب الانتقام، وانبرى لبناء دولة بدلاً من هدمها، ورجّح قيم التعايش السلمي واعتبر التعددية قيمة إنسانية جديرة بالاستثمار، وتم انتخابه رئيساً فتحول إلى أب وقائد دون أن يحوّل هذا المنصب إلى تركة لنفسه مدى الحياة، وترجّل من الرئاسة، وهو في المجد وتحوّل إلى سفير للإنسانية قاطبة.

هذا الاحترام الكبير لا يمكن أن يحصده الكثير من الناس في عالم التناقضات والإضرابات وتضارب المصالح، ولا يمكن تفسيره إلا من خلال فلتات الزمان الجميلة والقليلة، ولا يمكن أن تتكرر أمثال شخصية مانديلا لأن هكذا مسؤولية جد ثقيلة، ولذا استحق أن يحفظ في سجل الأسماء النبيلة.

ويتحير المرء وهو يسرح مع بانوراما نيسلون مانديلا ويستعرض هذه المواقف الراسخة، ويقارنها مع ما يشهده عالمنا العربي والإسلامي من صور الخزي والبشاعة على شماعة الدين، فخلال العقد الماضي

حوّل البعض ممن يدعون الدين والتقوى بلاد المسلمين إلى كومة من الدمار عبر السيارات المفخخة ونحر العزّل من الأبرياء وتكفير من لا يدين لهم بالولاء، وتطهير المجتمع ممن لا يؤمنون بفكرهم، ليس فقط ليتزعموا عليهم في الدنيا، بل لاختيار من يذهب معهم إلى الجنة دون سواهم في عالم الآخرة!

وبعيداً عن الهرطقة الدينية بأن شخصية مثل مانديلا رغم سيرته وعطائه للبشرية قد يدخل الجنة أم لا، وأنها حكر على قاطعي الرؤوس وآكلي لحوم البشر، إلا أن الحقيقة التي لا تنازع هي أن طريق ونهج نيلسون "ما ندلّه"!
أضف تعليقك

تعليقات  0