أنا ومانديلا


ودع العالم مانديلا كما لم يودع أحدا من القادة السياسيين في العالم من قبل وهم خارج مناصبهم الرئاسية منذ سنوات.

شخصيا قرأت له وعنه كثيراً قبل تحرره من السجن إلى أن أصبح رئيساً، ولأننا في سوق الإعلام تتاح لنا فرص اللقاء بالسياسيين والقادة والحقوقيين وغيرهم، كانت لي فرصة لقائه قبل أكثر من ثلاثة عشر

عاما عندما زار الكويت، وأذكر أن حماستي للقائه كانت كبيرة، وأذكر أيضا أني عنونت تقريري به بأنه «رأس الرمح الذهبية الذي قاد بلاده نحو التحرر والريادة»، وكيف لا .. فهو شخصية فريدة رفض التمييز

العنصري، وحارب الأبيض الذي ظلم شعبه وقسمه على أساس اللون والعرق فلم يأبه، وواجه أحكام السجن والتعذيب، وذلك كله لم يمنعه أو يثنه عن هدفه، قاد معركة تحرر وإعلام أدت بالنهاية إلى فرض عقوبات على جنوب أفريقيا، حتى جاء فريدريك ديكليرك آخر رئيس جنوب أفريقي أبيض فأنهى نظاما سمي

بـ «الأبارتايد» أي التمييز العنصري، وقاد تلك الدولة المتقدمة في الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، فأجرى حوارات مع مانديلا وتعامل بواقعية سياسية، وبدأ مشروع الإصلاح بالإفراج عن مانديلا، ليعود مانديلا إلى

المشهد السياسي بعد أن خرج من السجن محمولا على الأكتاف، واختاره الناس قائدا ورئيسا، وبدأ رحلته في قيادة شعبه، وبالأخص الغالبية السوداء ليس بالانتقام ومحاربة الأقلية البيضاء بل بمشروع

التعايش والمصارحة، فأقيمت ما أطلق عليها بمحاكم الرحمة التي يلتقي فيها الضحية والجلاد في قاعة المحكمة، فيعترف الجلاد بظلمه للضحية الأسود فيصفح الضحية عنه ويتعانقا ويبدأ مشروع البناء،

مانديلا بعد أن قضى فترة الرئاسة الأولى قرر التقاعد، وقال كلمته الشهيرة التي يجب أن تعلق على أبواب كل المؤسسات السياسية في الشرق الأوسط، حيث أعلن أنه لن يترشح لفترة أخرى، وأنه أوصل الرسالة وحان الوقت ليتفرغ لحديقة بيته الخلفية ولحفيدته.

إنها قصة مناضل حقق مراده وأمنيات شعبه، وأخرج بلاده من صراع وحرب أهلية، وبنى دولة أساسها العدل والمساواة، وكان مدرسة لكل محب للسلام وحقوق الإنسان في زمن اختلطت فيه كل الأوراق.
أضف تعليقك

تعليقات  0