فقاعات الإسكان البريطاني .. تهدد الاقتصاد

 

هل الاقتصاد العالمي يواجه موجة أخرى من فقاعات الإسكان؟ في أعقاب أحدث حالة انهيار للإسكان في الولايات المتحدة، التي شهدت هبوط أسعار المساكن فيها بأكثر من 40%، يبدو أن هذا أمر مخالف للبداهة. 

ألم يكن الإفراط في القروض العقارية هو السبب الكامن في قلب الأزمة المالية؟ لذلك حين نتوقع أن يتكرر المشهد بصورة سريعة، فإن من شأن هذا أن ينطوي على فقدان مذهل للذاكرة الجماعية في البنوك.

مع ذلك، كما يشير الاقتصادي نورييل روبيني، فإن علامات «الغثاء والرغوة»، إن لم تكن حتى فقاعات سافرة، تعاود الظهور الآن في أسواق الإسكان في سويسرا والسويد والنرويج وفنلندا وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وبريطانيا.

في الأسواق الناشئة، تظهر الفقاعات أيضا في هونغ كونغ وسنغافورة والصين وإسرائيل، وفي مناطق المدن الرئيسية في تركيا والهند وإندونيسيا والبرازيل. بالتالي يجدر بنا أن ندرس السيناريوهات التي يمكن أن يطلق السياسيون ومسؤولو البنوك المركزية، من خلالها العودة إلى فقاعات أسعار المساكن.

البقرات المقدسة

نقطة البداية الواضحة هي بريطانيا، حيث توجد ثلاث من أكثر البقرات قداسة في الاقتصاد السياسي، وهي: ملكية المسكن، وارتفاع الأسعار، وتبجيل الذين يشترون المساكن للمرة الأولى في حياتهم.

هذه الرغبة في تعزيز ملكية المساكن، شجعت على تحمل التضخم إلى جانب الإهمال النسبي لروح المشاريع، كما أنها خلقت وهم أنه إذا كانت الأسعار في تصاعد، وشعر الناس بأنهم أغنى، فلا بد أن يكون الاقتصاد في وضع جيد أيضا.

لفترة من الزمن كان يبدو أن هذا الهوس المتوطن في النفوس ربما تحل نهايته بعد رحيل مارغريت تاتشر من المنصب. وكان السبب في ذلك هو طفرة أسعار المساكن خلال الفترة 1989 – 1992، فالانهيار الذي أعقب ذلك ألقى على سوق الإسكان ضوءا سلبيا غير جذاب، بحيث وجد كثير من أصحاب المساكن أن الديون على بيوتهم تفوق قيمة المسكن الحقيقية.

اتخذت السياسة الاقتصادية منعطفا رمزيا حين أزال كريس لامونت، وزير المالية في حكومة المحافظين، الإعفاء الضريبي على فوائد القروض العقارية من دافعي الضرائب ذوي الدخل العالي في 1991.

وبعد أن تناقص هذا الإعفاء في الوقت الذي قضى فيه التضخم على قيمة الإعفاء، تم إلغاؤه في النهاية على يد غوردون براون، وزير المالية في حكومة العمال، في 2000. في الوقت نفسه تناقص عدد المساكن الجديدة أكثر فأكثر.

أحد الأسباب التي تجعل البريطانيين أقل إدراكا لمخاطر فقاعة الإسكان اليوم هو أن التراجع الناتج عن الأزمة من الذروة إلى الحضيض في أسعار المساكن في بريطانيا، كان 17% فحسب، وفقا لمؤشر LSL Acadametrics index، وهي نسبة تقل كثيرا عما حدث في الولايات المتحدة.

وكان هذا إلى حد ما نتيجة للافتقار إلى مساكن مبنية قبل وأثناء الأزمة، كذلك كانت حالات الإعسار عن القروض السكنية متدنية، لأن أصحاب العمل البريطانيين لم يكونوا تواقين لتسريح الموظفين مثل نظرائهم في الولايات المتحدة.

الضرر الحقيقي الذي أصاب البنوك البريطانية الكبيرة جاء من القروض العقارية التجارية، ومن عمليات الاستحواذ المتسرعة والمنتجات المهيكلة السامة أكثر مما جاء من القروض العقارية السكنية.

سبب آخر لذلك هو أن الائتلاف الحاكم اليوم بزعامة المحافظين استعاد البقرات المقدسة، فالبرنامج الذي وضعته الحكومة بعنوان «المساعدة على الشراء» لضمان القروض السكنية، والذي يشجع الإقراض على أساس قيمة المسكن، يطبق الآن ليس على المساكن الجديدة فحسب، بل كذلك على قروض المساكن القائمة.

هذا المنطق مشابه لمنطق الثمانينيات. في ذلك الحين، كان يبدو أن الاقتصاد فقد قدرته على الابتكار والنمو الآني، وكان يبدو أن إلقاء القروض على الناس هو الطريقة الوحيدة لإبقاء مستويات المعيشة في وضع سليم. أما اليوم فإن السبب هو عبء الديون من الأزمة الذي يجعل النمو ضعيفا، وبالتالي فإن تحفيز سوق الإسكان بالمزيد من الديون، استراتيجية مغرية لاستمالة الناخبين.

خطر الديون

مع ذلك، فإن التصدي لمشكلة الإفراط في الديون من خلال تشجيع الناس على اقتراض المزيد من الديون، يعتبر بمنزلة الجنون. كما أن الوضع الآن أخطر من الثمانينيات، ليس لأن نسبة الديون إلى الدخل في المساكن البريطانية، البالغة 140%، بل لأنها أعلى كثيرا من الولايات المتحدة ومنطقة اليورو.

في ذلك الحين كان التضخم مرتفعا للغاية إلى درجة أنه في حين أن أسعار المساكن هبطت في انهيار قطاع الإسكان، إلا أن الأسعار الاسمية ظلت مستقرة نسبيا. وبالتالي لم يكن يتعين على البنوك الرهان على عمليات شطب كبيرة. من منظور المقترضين تآكلت قيمة الدين، وظلت أسعار الفائدة الحقيقية في المنطقة السالبة، في الوقت الذي كانوا ينتظرون فيه أن ترتفع أسعار المساكن.

هذا النوع من الإغاثة غير متوافر للمقترضين الحاليين، وهي نقطة تسود عبر معظم بلدان العالم المتقدم، رغم أنها تحضر بصورة أقل في الأسواق الناشئة. وهناك أيضا الخطر المتمثل في أنه إذا عمل برنامج «المساعدة على الإقراض» على إنعاش بناء المساكن الجديدة، فستصبح سوق الإسكان أكثر دورية وشراسة، كما هو الحال في الولايات المتحدة، مع ما يترتب على ذلك من عواقب سيئة على الاستقرار المالي.

هناك أمر يحمد عليه مارك كارني، محافظ بنك إنجلترا، وهو أنه كان يصدر بعض الأصوات «الصقورية» المناسبة حول الإسكان، لكن يظل القلق موجودا من أنه إذا بقيت أسعار الفائدة متدنية تماما ما بعد 2015، فستتراكم المزيد من الديون وسيحل التهاون في النفوس، كما فعل في فترة الاعتدال العظيم.

المستفيدون من برنامج المساعدة في الشراء سيكونون قد أعدوا أنفسهم في وضع تعليقهم على الصلبان، حين ترتفع أسعار الفائدة إلى مستويات طبيعية أعلى. لا داعي لأن يحدث هذا، لكنه ليس وراء حدود الإمكان.

أضف تعليقك

تعليقات  0