يوم.. لا يكفي


حتفلنا قبل أيام باليوم العالمي للغة العربية، وتغنينا بأمجادها وجمالها وتفردها، وسطرنا الثناء وجددنا الولاء ورفعنا أكفنا بالدعاء ليحفظها رب السماء.

وانتهى الاحتفال.. ووضع كل منا رأسه على وسادته هانئ البال خفيف الذمة مرتاح الضمير بأنه قد أدى ما عليه من واجب تجاه لغة القرآن، وبإذن الله هو من أهل الفردوس المكرمين، وأحباب الله المقربين.

ثم ماذا؟.. لا شيء.. رجعت حليمة لعادتها القديمة، وعاود العبث بهيبة اللغة نشاطه، وبقي الاهتمام باللغة العربية، كما كان قبل الاحتفال، مسألة شخصية وجهدا فرديا.. لا أكثر.

لا أريد تكرار ما أجزم أن الجميع يعرفه عن اللغة العربية ومرتبتها المتقدمة بين اللغات العالمية الأخرى ومكانتها في قلوب العرب والمسلمين من غير العرب، وفي الوقت ذاته لا أنكر أن الاحتفال باللغة العربية هو مناسبة مهمة وضرورية للتأكيد لأنفسنا قبل غيرنا بأننا نعتز بهويتنا الأصيلة التي تعتبر اللغة العربية أهم سماتها.

وربما هذا الاحتفال هو بمثابة عهد منا يتجدد كل عام بالحفاظ على اللغة كي لا تطغى عليها اللغات الأخرى خصوصا في ظل ما نشهده من اجتياح للعولمة وسطوة لم يعد إيقافهما خيارا متاحا لنا، وإن ادعينا خلاف ذلك.

ولكن، هل هذا يكفي؟ هل مجرد الاحتفال وإن كان أمرا جيدا ومطلوبا، يلبي إرادتنا بصيانة لغتنا التي ندرك كلنا تمام الإدراك أنها إن همشت بلغة أخرى فخسراننا سيكون فادحا مبينا، وكل الأواصر بيننا وبين تراثنا وحضارة أسلافنا ستتقطع واحدة تلو الأخرى، بل وسينكمش بنا الأفق وننعزل في بقعة إقليمية ضيقة عن إخوان لنا منتشرين على امتداد المعمورة كانت اللغة هي صلة الرحم التي تجمعنا بهم.

بالتأكيد لا يكفي.

فما نحتاجه، إن كنا جادين فعلا في المضي بالحفاظ على لغتنا، هو سن قوانين صارمة لحمايتها وتفعيل تلك القوانين بما يسبغ عليها الهيبة والاحترام اللازمين للتقيد بها.

ولنا في دول أوروبا أمثلة.

ففي فرنسا مثلا، هناك قانون صدر عام 1994 أطلق عليه «لزوم الفرنسية».

من أهم نصوصه منع أي مواطن من أن يستخدم ألفاظا أو عبارات أجنبية ما دام هناك ألفاظ مماثلة في الفرنسية.

وفي ألمانيا نشرت صحيفة هناك أن طالبة ألمانية نجحت بامتياز في كل مواد البكالوريوس، لكنها لم تمنح الشهادة لأنها كانت ضعيفة في اللغة الألمانية.

ورفعت الطالبة أمرها إلى محكمة «فرانكفورت» مطالبة بإلغاء قرار رسوبها والحكم لها بالنجاح وحقها في الشهادة، مستندة إلى تفوقها في كل المواد، ومدعية أن ضعفها في اللغة الألمانية ليس مسوغا لرسوبها.

لكن المحكمة رفضت طلبها، وأيدت قرار الرسوب.

لم تيأس الطالبة، فرفعت أمرها إلى درجات التقاضي الأخرى التي رفضت بدورها دعواها وصادقت على قرار رسوبها، إلى أن وصلت بقضيتها إلى المحكمة الفيدرالية، أعلى درجات التقاضي في ألمانيا، لكن مساعي الطالبة خابت، حيث رفضت المحكمة أيضا دعواها، وأقرت الحكم برسوبها، ذاكرة في حيثيات حكمها أن اللغة الألمانية هي التعبير عن الفكر الألماني المستقل، والمترجم لشخصية الألمانيين وهويتهم، وهي أهم مادة في الامتحان، والضعف فيها لا يعوضه التفوق والامتياز في المواد الأخرى.

نتشبه بالغرب في الكثير ونقلدهم في الطالعة والنازلة.. أفلا اقتدينا بهم في هذا الحرص الجاد على اللغة وحمايتها بالفعل.. لا بالقول فقط؟!



@mundahishaا

أضف تعليقك

تعليقات  0