تعلق بأستار الكعبة.. فكان له ما طلب


ملكت اللغة شغاف روحه وهو لايزال ناعم الأظفار، حبها في قلبه لم ينافسه شيء آخر، أبقاه كالظل ملازما لمعلميه الذين ما انفك فيما بعد يشيد بدرجاتهم العلا التي بلغوها في العلم والفقه واللغة والنحو، وإخلاصهم منقطع النظير، وتفانيهم الذي لم يعد يرى مثله هذه الأيام، رافقهم حتى إلى بيوتهم فقط ليستمع إليهم ويسمع منهم رغم الفارق الشاسع في العمر بينه وبينهم آنذاك، فبقيت أسماؤهم محفورة في وجدانه، يذكرها أينما حل، تخنقه العبرات وهو يعدد أفضالهم عليه كلما سئل عنها في أي لقاء أو حوار.

ذلك هو الدكتور العراقي فاضل صالح السامرائي، العالم الذي أمضى حياته بين آيات القرآن يتتبع بلاغته وإعجازه وسر جماله.

أديب ألم بعلوم النحو واللغة والفقه والتعبير القرآني، صاحب مبدأ وعقيدة راسخة، آمن بصلاح الإسلام لكل زمان ومكان، دينا ودولة، لا يملك من يستمع إليه أو يقرأ له أو يحاوره إلا أن يحمل له كل الاحترام والإجلال والتقدير.

هو من أشد المهتمين بالجملة العربية والمعنى، ويؤمن بأن اختيار كل تعبير قرآني هو اختيار فني مقصود لمعنى محدد لا يدركه إلا من يتأمل بتدبر تلك الاختلافات في المفردات بين آية وأخرى، ودائما ما كان يردد: «اللغة وجدت للمعنى، فإن لم تربط مفرداتك بالمعنى فما هي الجدوى؟»، وقال مرة يصف اللغة: «لو عرفوا ما في القرآن من أسرار بيانية عميقة وفن جميل، فسيرون ما في اللغات الأخرى لا شيء بالنسبة إلى فن اللغة العربية وجمالها وسعتها ودقة معانيها بما يوفر الحرية العظيمة والدقة في التعبير لمستخدميها».

وكل من تابع برنامجه البديع لمسات بيانية على قناة الشارقة يشهد بأسلوبه المتفرد بل المبهر في ربط النحو بتفسير المعاني العميقة لآيات القرآن وشرح دقائق الاختلافات بين الآيات شبه المتماثلة إلا من حرف أو كلمة جعلت المعنى هنا غيره هناك.

وهذا هو المنهج الخاص الذي اشتهر به د.فاضل السامرائي في علم اللغة والبيان القرآني، ولأجله أصدر كتاب «معاني النحو» موزعا على أربعة أجزاء، هذا الكتاب الذي استغرق من عمره عشر سنوات وهو عاكف على تأليفه، فكان شغله الشاغل لتفكيره في الليل والنهار، حتى انه في منامه كان يرى من يأتيه ليسأله أسئلة في اللغة والنحو كان غافلا عنها في يقظته، ليهرع بعدها إلى القرآن مرة ثانية وثالثة ورابعة يقرأه ويدرسه ويتدبره حتى يتوصل إلى الإجابة الشافية على أسئلة زوار المنام، فيضمها إلى كتابه.

ربما لا يعرف الكثير منكم حكاية هذا البرنامج التلفزيوني وكيف رأى النور أول مرة، فهذه الفكرة لم تكن في ذهنه بداية ولم يخطط لها، لكنه ألقى محاضرة في جامعة الشارقة بمناسبة الإسراء والمعراج نالت إعجاب الحضور، ما دعا رئيس قسم الشريعة إلى تقبيل رأسه مرتين، وكان الشيخ مظهر فائز قيمة، الذي كانت له برامج في قناة الشارقة، ضمن الحضور وقد سبق أن وقع بيده كتاب التعبير القرآني، أحد مؤلفات الدكتور فاضل، فخاطبه قائلا: لماذا لا تكون مثل هذه المحاضرات في برنامج تلفزيوني؟ وهكذا تم الاتفاق على برنامج لمسات بيانية الذي أمتع الملايين من عشاق القرآن واللغة من العرب والمسلمين.

يقول د.السامرائي: «اعتمرت وشربت من ماء زمزم وطفت حول الكعبة وتعلقت بأستارها ودعوت ربي أن يعطيني علما أعمل به وينتفع به الناس».. فكان له ما طلب.








mundahisha@
أضف تعليقك

تعليقات  0