أين الغريب في موقف الحكومة؟!


انتصرت حكومة الحصافة ممثلة بالإعلام والداخلية لرغبات النائب في مجلس السلطة الواحدة السيد محمد الجبري بأن منعت أمسية جلال الدين الرومي، ولم يكن غريباً أن تُمنَع مثل تلك الندوة من قِبل السلطة، بل إن الغريب حين تصرح بعكس رغبات النواب المتدثرين بالأردية الدينية المحافظة المؤيدين في السراء والضراء للسلطة الحاكمة بالصوت الواحد

المحتكرة للثروة القومية، فلم يحدث في تاريخ الدولة - إلا- على سبيل الاستثناء، أن تصدّت السلطة لنواب لم تكن مهمتهم إلا قبر كل محاولات "بدع" الانفتاح الفكري على الغير أو الاطلاع على ومضة نور روحية أو عقلية من التاريخ الإنساني، ولا يبدو أن شيوخ الدولة أو مشايخها المحافظين يعرفون من هو "جلال الدين الرومي" وليس لهم أي اطلاع على

الفكر والشعر الصوفيين ومساهماتهما في الفكر الإسلامي خاصة والعالمي بصفة عامة، فهذا يعد نوعاً من "الترف العقلي" ليس "للأصولوية" السلطوية المحافظة أن تكترث له.


السلطة المتغلبة تاريخياً، لم تكن تحكم بعصا القوة فقط، بل كانت دائماً تستند في مشروعيتها إلى "مثقفيها" الذين كانوا، عادةً، من فقهاء الدين، يبررون "شرعية" السلطة

ويسوغون أفعالها دينياً مهما بلغت من طغيان، فعند مثقفي السلطان لا بد أن يكون هناك "نص" شرعي يسوغ حكم الخليفة، فإن لم يوجد فلا مانع من خلقه أو تأويل القائم من نصوص، واليوم في عصر التنوير النفطي "المظلم" تطورت الأمور، فلم يعد هذا الفقيه من أهل الدين فقط، بل أخذ ينافسهم فقيه أهل الدنيا، من جماعات "مثقفي السلطان"

الذين يملأون جُل وسائل الإعلام ودور النشر بثقافتهم الكسيحة في دولنا، وشاهدنا عينات مخزية لتلك الفئة في مواقف كثير من اليساريين والليبراليين من انقلاب يونيو في مصر، أو عينات ثانية، هنا، من كُتاب الصوت الواحد الذين يرددون عبارة "الشيوخ ابخص" بعد أن يضعوها في كأس تنويري مغشوش ليشرب منه أهل الجهل حتى الثمالة.

ختاماً، لنقر بأنه، من ناحية، لم يشذ محمد الجبري في معارضته لندوة جلال الدين، فهو، قدم الدور المطلوب منه "شعبوياً" فلا، هو، ولا شيوخه يكترثون، آخر الأمر، لجدواها أو موضوعها، يكفيهم أنهم يسبحون مع التيار، والندوة لن تزيد أو تنقص من حصيلة قناعاتهم الخاصة وثرواتهم الفكرية، ومن ناحية أخرى، لم يكن مُجدياً أن يتحدى أعضاء التحالف

الوطني الأمرَ الحكومي بالمنع ليقيموا الندوة، فليست هي "قضية" كبرى للحريات أن يدرك الناس من يكون الرومي، بل القضية هي مدى انتصار جماعة التحالف لقضايا الحريات

بكل صورها، سواء حرية الاطلاع على فكر الرومي على سبيل المثال، أو الحرية السياسية للاعتراض والتظاهر السلميين ضد الانفراد بالسلطة، ورفض كل صور القمع للمعارضين أياً كانت هوياتهم الفكرية.
أضف تعليقك

تعليقات  0