التأمينات.. ولا جديد


أضاءت الشاشة الصغيرة المعلقة فوق الرؤوس برقمها فاتجهت إلى الموظفة خلف الكاونتر وبعد السلام والتحية والاعتدال بوضعها على الكرسي بادرتها بالسؤال عن زيادة سنوية في المعاش للمتقاعدين قدرها ثلاثون دينارا يفترض صرفها لها منذ شهرين ولم يتم حتى اليوم، طلبت منها الموظفة بياناتها الشخصية لتطلع على ملفها عبر النظام الإلكتروني للمؤسسة.. فكانت المفاجأة أو بلفظ أدق الصاعقة.

أختي أنت تستلمين منذ عام 2004 مبالغ لا تستحقينها بسبب خطأ في احتساب النظام لما يصرف لك شهريا، وعليه فالمؤسسة تطالبك بسداد مديونية ترتبت عليك جراء هذا الخطأ تبلغ 13 ألف دينار، ولتصحيح الوضع يتعين علينا خصم مبلغ 400 دينار من معاشك التقاعدي ابتداء من الشهر الجاري فلا يبقى لك إلا 500 دينار من المعاش فقط حتى استيفاء مبالغ المديونية كلها منك.

جمدت المرأة لوهلة وأخرستها الصدمة وشلت لسانها لثوان مرت عليها ثقيلة كالدهر، مفارقة كانت أكبر من كل توقعاتها، أتت تطالب بزيادة كانت تظنها مستحقة لها لا تتجاوز 30 دينارا، فإذا بالمؤسسة تطالبها بسداد مديونية برزت لها فجأة كشيطان مريد تتجاوز 13 ألف دينار، لم تستلمها بالتحايل عليهم أو بالتزوير في أوراقها وبياناتها الرسمية، بل بسبب خطأ من نظام المؤسسة الآلي الخاص باحتساب مستحقات المتقاعدين. ولو لم تراجع للاستفسار طمعا بتلك الزيادة الضئيلة التي كانت تتطلع إليها لما فطنوا إلى خطئهم حتى كتابة هذه الأسطر وربما حتى نهاية عمر تلك السيدة.

السؤال أو الأسئلة التي تطرح نفسها بألم هنا.. ما ذنب هذه السيدة لتتحمل عواقب خطأ ارتكبه نظام اعتمدته مؤسسة التأمينات بمباركة مديرها وجيش «الخبراء والمستشارين» فيها، ولم ينتبه إليه أحد لولا تلك المراجعة من قبل السيدة؟ وهل يعقل أن تستوفي المؤسسة قسريا مديونية قدرها 13 ألف دينار باقتطاع مبالغ تشكل نصف معاش السيدة التقاعدي تقريبا وترميها كما نقول على حجر لتواجه كل ما سيترتب على هذا الإجراء من أزمات مالية عاصفة لحياتها وربما حياة أبنائها؟ وكيف ستتصرف إن كانت قد رتبت أمورها والتزاماتها المالية والحياتية على أساس الراتب الذي كان يصرف لها، ويأتي اليوم من يخبرها بأنها ستتسلم نصف معاشها فقط لسنوات وسنوات.

طبعا هذه السيدة كحال غالبية الشعب الكويتي المسالم والمغلوب على أمره أمام التعسف السلطوي رضخت للأمر وسلمت أمرها لله وخرجت مذهولة بكابوس لم تفق منه تجر أذيال الألم والحيرة بكيفية مواجهة مصيرها.

ويظل مسلسل الأخطاء الفادحة في احتساب معاشات ومستحقات المواطنين لدى مؤسسة التأمينات الاجتماعية مستمرا بلا ذرة من شعور بالأسف أو المسؤولية تجاه ما يترتب على تلك الأخطاء الجسيمة من إرباك لعيش المجني عليهم وشل لبرامج حياتهم التي رتبوها وتكيفوا معها على ضوء المقدرات المحتسبة لهم من قبل المؤسسة، ويظل المتسببون والمسؤولون عن تلك الفوضى يقبعون في برج عال حصين بمنأى عن المساءلة والمحاسبة من قبل الحكومة لأسباب لا أعرفها، أو بالأصح لا أستوعبها، فضلا عن انعدام ثقافة المطالبة بالتعويض القانوني الذي يستحقه أي فرد يقع عليه ضرر نتيجة خطأ لا يد له فيه. على أي حال مادام الشاي والحليب وبسكويت المطاحن يوزع على المراجعين في صالة المؤسسة، فكله تمام والوضع مستتب.









@mundahisha
أضف تعليقك

تعليقات  0