أنظمة بلا رسالة


إن محاولة فهم عوامل ومسببات ثورات الشعوب العربية على حكامها في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وثورتها في سنوات ما سمي بالربيع العربي، توصلنا إلى اكتشاف حقيقة محزنة ومؤلمة، وهي عدم وجود رسالة لدى من يتولى مسؤوليات الحكم في بعض دولنا، فمن بيده السلطة غايته الحفاظ عليها، ومن ليس بالسلطة يسعى إليها ليستمر فيها.

ولذا، فإن خطط هذه الأنظمة - حتى من جاء بالانتخاب - ومساعيها ووسائلها تتسم بقصر النظر والتسلط والتفرد، وغاب عن غاياتها إشراك الشعوب في الحكم وتعزيز قيم الحرية والديموقراطية التي تقود للتداول السلمي للسلطة، فصار الوصول للسلطة بالقوة والقهر والاستيلاء، أو حتى بانتخابات عليلة، ما أفقد أغلب الأنظمة العربية عوامل الاستقرار الذاتي وجعل معظمها عرضة للتغير بتداول قهري وربما دموي لحكامها.

وأبرز مظاهر غياب رسالة بعض الأنظمة هو التكوين الهزيل للحكومات، ومن ثم برامجها الإنشائية الخاوية، وإدارتها ومشاريعها السطحية والمحدودة، التي لم تحقق سياسات خارجية مؤثرة ومهابة، ولم تبن اقتصادا متناميا متنوعا ومنتجا، ولم تحدث نقلة في الإدارة الداخلية الرشيدة الديموقراطية، ولم تكرس منظومة قيم اجتماعية تضمن تآلف المجتمع وسلمه الاجتماعي والحفاظ على نشئه وتحصينه، ولم تنجح في تحقيق وحدة دولها وتحالفها الحقيقي والفعال لخدمة قضايانا المصيرية التي لا تعدو أن تكون بالنسبة لها مادة للخطب الموسمية والبروتوكولية الرنانة.

وهكذا، فإن معظم الشعوب العربية في عزلة حقيقية عن حكامها في الغالب، رغم أنها تظهر أحيانا قليلة وكأنما بينهما تقارب، لكنه تقارب من طرف الشعوب وليس الحكام، وتغلب عليه فكرة ترجيح مصلحة إغلاق باب المفاسد حماية لاستقرار الدولة، لكن أغلب الأنظمة لا تدرك حقيقة أن المجاملة والتعاطف الشعبي ليسا في مصلحة بناء دولة قوية ومستقرة بعمق قوتها الشعبية، ظنا منها أن امتلاك أدوات القوة والهيمنة بمؤسسات للدولة وآلياتها كفيلان باستمرارها في الحكم، وقد بينت ثورات الخمسينات والستينات ومعها سنوات الربيع العربي فشل ذلك، فهل تدرك تلك الأنظمة العربية السر أم أننا سنظل نعيش حالة التداول القهري وبالقوة والاستيلاء للسلطة، كما يريد الغرب وأعداء الأمة لنا؟

اللهم إني بلّغت..



أ.د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net


أضف تعليقك

تعليقات  0