عمل مؤسسي أم اجتهادات فردية؟


الدول المتقدمة يديرها أفضل من يختارهم الشعب من المحترفين السياسيين الذين يمارسون سلطاتهم كفريق متجانس من أجل رسم الخطط التنموية الطويلة المدى وتنفيذها وذلك من خلال مؤسسات الدولة، حيث إن دور الوزراء وكبار المسؤولين هو دور قيادي وتوجيهي للعمل المؤسسي، لذا فإن ذهابهم أو تغييرهم لا يؤثر كثيراً في مضمون تنفيذ الخطط والسياسات والبرامج العامة التي يرسمها ويعتمدها الجهاز الحكومي عند بداية تشكليه وطريقتها.

أما لدينا فلا وجود لبرنامج أو خطة عمل تتشكل بناء عليها الحكومة، علاوة على أن هناك غياباً شبه كامل للعمل المؤسسي والسياسات العامة الواضحة والمحددة في مجمل العمل الحكومي، وطغياناً للاجتهادات الفردية للوزراء وكبار المسؤولين التي سرعان ما تتغير بالكامل بمجرد تغيّر شخص الوزير أو المسؤول، والأمثلة على ذلك كثيرة كان آخرها موضوع ما يسمى "خطة التنمية" التي نسمع عنها منذ عام 2010 لكننا لا نراها على أرض الواقع؛ لأنها يبدو "لم تكن ترتكز على قواعد صحيحة" كما قال وزير المالية السابق!

لقد أشارت الصحف إلى أن وزيرة التخطيط والتنمية الجديدة ستتقدم بمقترح "تطلب فيه تأجيل تسليم الخطة الخمسية 2014-2018 التي من المفترض أن تسلم في أواخر الشهر الجاري، نظراً لضيق الوقت على ألا تتجاوز فترة التأجيل 6 أشهر بعد الاطلاع الكامل على كل التصورات المنطقية، لافتة إلى أن التأجيل يهدف إلى إجراء دراسة شاملة تكون أكثر دقة وشمولية بشرط أن يكون تأجيلاً منطقياً ومدروساً له إيجابياته من أجل تطبيق خطة قابلة للتطوير، وتكون مستقبلية وطموحة تهدف للمصلحة العامة من أجل النهوض بالبلد من جديد وفق المعطيات المتوافرة". ("الأنباء"- 13 يناير 2013).

لعلنا نلاحظ أن الحديث هنا عن خطة الدولة وليس عن خطة سير العمل بالوزارة، ففي أواخر أكتوبر الماضي قدمت الحكومة برنامج عملها الذي يفترض، كما ادعت آنذاك، أنه جاء بعد دراسات شاملة ومستفيضة، وأنها ستقوم قريباً بإرسال الخطة الإنمائية المتوسطة الأجل للسنوات (2014/ 2015- 2018/ 2019) التي تم إعدادها... "بالاتساق والتكامل مع ما تضمنه برنامج عمل الحكومة من توجهات وأولويات وقضايا"، فهل تغيّر ذلك بعد التغيير الوزاري ما جعل الوزيرة الجديدة تطلب فترة للتأجيل "...

من أجل الاطلاع الكامل على كل التصورات المنطقية بهدف إجراء دراسة شاملة تكون أكثر دقة وشمولية"؟!

هل الخطة التي ورد ذكرها في برنامج عمل الحكومة ويفترض تقديمها خلال أسبوعين من الآن- أي أنها فعلياً تعدت مرحلة الإعداد- لا تقوم على "تصورات منطقية ودراسات دقيقة وشاملة"؟!

من الواضح أن الانضمام إلى فريق الحكومة لا علاقة له ببرنامج عملها، فضلاً عن أن العمل الحكومي يعتمد على الاجتهادات الفردية للوزراء وكبار المسؤولين، فهناك، مع الأسف، غياب شبه كامل للعمل المؤسسي والسياسات العامة الرشيدة؛ لهذا لا تزال التنمية الحقيقية غائبة رغم الإمكانات المادية والبشرية الضخمة.
أضف تعليقك

تعليقات  0