عجائب الزماني لابن الزعفراني


لم تستهوني مادة التاريخ قط في كل مراحل دراستي التي مررت بها من الابتدائية وحتى الجامعية، بل إن نفوري منها كان هو السبب الذي دفعني دفعا للتخصص العلمي، ربما لقناعة شبت معي منذ الصغر أن تاريخنا الحقيقي هو ما نصنعه اليوم وليس ما صنعه الأولون.

قد تضحكون إذا قلت لكم إنني كنت أظن أن التاريخ قد كتب بنفسه، لم يسطره أحد بقلمه، ولا تسألوني كيف فهذه كانت حدود تفكير عقلي الصغير آنذاك.. ان الأحداث التاريخية قيدت نفسها بنفسها في الكتب، وكما وقعت تماما وبكل دقة وموضوعية وأمانة، مثل التقاطات كاميرا لا تحريف فيها ولا مبالغة ولا توظيفا لغرض أو آخر، وأنه ليس هناك في مكان آخر على وجه الأرض تأريخ مختلف لنفس الحدث أو رواية مناقضة تماما لتلك التي لقنونا إياها، لم أشك البتة في ذلك (ركزوا على كلمة البتة لأني ولسبب مجهول أعشقها)

لكني حين كبرت ونمت خلايا مخي ونضجت، واتسعت آفاق قراءاتي ومعارفي واطلاعاتي، بدأت تنقشع الغشاوة عن عيني لأكتشف أن التاريخ (استعدوا هنا للصدمة) مكتوب بأقلام بشرية، توصل لنا الحقائق والوقائع من خلال ما يعكسه ذهن من قام بتدوينها.. تصوروا.

عرفت أن المؤرخ مهما بذل ليكون صادقا نزيها موضوعيا وهو يسرد حدثا أو سيرة لشخصية ما، فإنه يفشل ـ بنسب متفاوتة ـ في تحرير نفسه من أهوائه وميوله وما تجذر في تلافيف مخه من عروق دينية وفكرية وسياسية وأخلاقية، فينسج لنا صورة تأخذ في البداية عنوان الحقيقة، لكن سرعان ما تتسلل بين نسيجها خيوط من ذاتيته وتأويله وعواطفه غير المحايدة، فيمجد شخصا بإطناب وإسراف، ويحقر آخر بلا إنصاف، ويعظم أناسا لا يستحقون التعظيم، ويظلم آخرين لم يقترفوا ما نسب إليهم زورا وبهتانا، واضعا نصب عينيه أهم مبدأ بشري «وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا»، ثم نتداول نحن تلك الافتراءات جيلا تلو الآخر لتستقر في أذهاننا وكأنها حقائق ومسلمات لا شية فيها، متغافلين عن اندفاع كثير من المؤرخين إلى التحريف والقص من هنا والإضافة إلى هناك، وربما الكذب لمنفعة مادية، أو انجرافا وراء مشاعر تعاطف مع جماعة معينة أو بغض متأصل تجاهها، أو تملقا وتزلفا لسلطة، أو حتى لمجرد أن تخرج تدويناتهم ورواياتهم تلك جذابة شائقة لجمهور القراء.. والجمهور عايز كده.

والأمثلة التي مازالت حية «طازجة» بيننا كثيرة، ربما عراها وكشف سترها الربيع العربي أو ما ظننا أنه ربيع عربي، وهذا موضوع آخر ليس محله هنا، فبعد أن تداولت ملايين الكتب المدرسية وغير المدرسية وعلى مدى عقود طويلة سير رؤساء أسطورية جعلت من كل واحد فيهم البطل الهمام والفارس المغوار الذي لا يشق له غبار، صاحب المآثر المجيدة واللآلئ الفريدة، حامي الديار اللي ما تنطفي له نار، ولعل هذا ما كان سيظل محفورا في ذاكرة التاريخ إلى أبد الآبدين، جاءت تلك الثورات مفجرة ما كان كامنا في جوف القلوب المقهورة والنفوس المكبوتة، كاشفة غش التاريخ وفساد المؤرخين، وزيف الهالة التي نسجوها حول حاكم اتضح للعالم أنه هو من كان «يسرق الدجاج من القرية» وفي الجهة المقابلة، مسحت ممحاة المكائد والمؤامرات والمصالح كل أثر طيب لقادة وشخصيات عظيمة من قراطيس التاريخ، وأحلت محلها افتراءات عليهم وأكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان لنقوم بدورنا وننشرها ونتوارثها ونعامل أتباع أولئك القادة بنفس الحقد الذي زرعت بذوره فينا تلك الموروثات المشوهة.

ويأتي حاكم جديد ومعه زمرة من المؤرخين تعيد ما فعله «أهل الكار» السابقون مع الطاغية السابق، ويظل التاريخ يعيد نفسه.. لكننا لا نتعلم.







@mundahisha
أضف تعليقك

تعليقات  0