قصة التهجير القسري لسلفيي "دماج" بقلم عبد العزيز قاسم في صحيفة "الوطن" السعودية


مهما كانت ملاحظاتنا على "سلفيي دماج"، فالوقت وقت شهامة ونصرة، لا وقت شماتة وتصفية حساب، وهؤلاء وإن اختلفنا معهم في بعض الجزئيات، فهم جزء مهم من نسيجنا السنّي الأصيل، ويُحفظ لهم عنايتهم بالسنّة والحديث، والمحافظة على العقيدة

كانت الصورة للتهجير الجماعي الذي أرغم عليه "سلفيو دماج" معبّرة، بل ومغنية عن ألف كلمة تصفها. طالعنا عبر تلك الصورة طوابير سياراتهم المحملة بنسائهم وأطفالهم، فيما حشر أصحابها ما استطاعوا جمعه من أثاث بسيط، أحنى تلكم السيارات، وجعلها تنخفض كسيرة، عنوانا ووصفا لحالهم وهم يغادرون مدرسة "دار الحديث" الشهيرة خاصتهم.

قال صديق يحاورني حول هؤلاء السلفيين، بأنهم لطالما وقفوا مع الحكومة اليمنية، وكانت أدبياتهم الفقهية التي انحازوا لها، تقول –كما معظم المدارس السلفية العلمية- بتقديم الطاعة لولي الأمر، لذلك شهدنا لهم الفتاوى المؤيدة لمواقف الحكومة التي لم ترد لهم جميل ما صنعوا معهم، وتركوهم وحدهم أمام جحافل الحوثيين المدججة بأسلحة إيران، ومعظمهم طلاب علم عزّل، أتوا لطلب العلم الشرعي في "دار الحديث" السلفية التي أنشاها شيخهم الشهير مقبل الوادعي، يرحمه الله.

صمد أهل "دماج" طوال سنوات، وكانوا كشوكة في حلوق الحوثيين هناك، في منطقة تتماس معنا بخاصرتنا الجنوبية، وكان عدد سكان منطقة "دماج" وفقاً لتعداد 2004، 15 ألفاً، و626 نسمة، وعدد المساكن 2419 مسكناً، فيما يبلغ عدد الطلاب الوافدين 4027 نسمة، أي ما يعادل 25 بالمئة من إجمالي السكان، وعدد مساكن الطلبة 1058 مسكناً، أي ما يعادل 43 بالمئة من إجمالي عدد المساكن.

أرغم هؤلاء على الخروج من ديارهم، بتهجير "هولوكوستي" قسري، وليس بما رددته بعض وسائل الإعلام اليمنية الرسمية أن ذلك بطلب منهم، وردّ سرور الوادعي أحد قياديهم في بيان له يوم الأربعاء، بأن ما نشرته وسائل الإعلام الرسمية من أن خروج السلفيين من "دماج" تم بموافقتهم "كلام غير صحيح وعارٍ عن الصحة"، مضيفا: "ليعلم جميع أفراد الشعب اليمني وسائر المسلمين في جميع أنحاء العالم، أن أهالي منطقة دماج وطلاب دار الحديث بدماج أُرغِموا وأُكرِهوا على مغادرة منازلهم ومزارعهم ومعهدهم ومنطقتهم بالكامل أو المكوث تحت ضرب المدافع والدبابات والهاونات وانتظار الموت في أي لحظة".

خروج إخوتنا في "دماج" بتلك الطريقة المذلة كان ملحمة تاريخية ستكتب لهم، وأجزم بأن هذا التهجير القسري لهم، لو كان لمئة يهودي لقام العالم بأسره يتضاجّ بكاء عليهم، ولأسمعونا -بعويل أجوف- مواعظ عن حقوق الإنسان، ولرمونا بتهم معاداة السامية، أو مناصرة الإرهاب، وتوعدونا بمحاكم "لاهاي"، وأشهروا لنا تهمهم الجاهزة، فيما ليبراليونا أو حقوقيونا العرب والمحليون صامتون، ولم نسمع أي احتجاج منهم أو نصرة. ليس من باب الدين، فذلك آخر ما ننتظر، بل من باب حقوق الإنسان التي يدّعون الإيمان بها.

خرج أحبتنا بقوافل على متن أكثر من 500 سيارة، وتوجهوا الأسبوع الماضي إلى منطقة "الخشم" في محافظة "الحديدة"، ونصبوا خيامهم هناك للاستقرار، غير أن أبناء المنطقة قاموا باقتلاعها، وطردوهم منها بطريقة مذلة، وتوجه السلفيون على دفعات إلى "صنعاء"، بهدف الالتحاق بشيخهم يحيى الحجوري الذي نُقل مع 100 من مشايخ "دار الحديث" من "دماج" إلى "صنعاء"، عبر 4 مروحيات عسكرية، حيث يقيم حالياً في المدينة السياحية بمنطقة "سعوان"، ريثما يتم الاتفاق على موقع جديد يمكن له ولطلابه ولأهالي منطقة "دماج" المهجرين أن يستقروا فيه.

وإن عتبت على الليبراليين والحقوقيين عدم طرح قضية هؤلاء الإنسانية، فالعتاب في حق الإسلاميين أمرّ وأنكى وأشدّ، وكانت لي مناقشات حادة مع بعض أحبتي في الصف الإسلامي حيال ما يحصل لـ"سلفيي دماج"، وقد أبديت استغرابي من عدم نصرة أولئك، والسكوت المطبق الذي لفّ قضيتهم. ردوا عليّ بصراحة متناهية، بأن أدبيات "سلفيي دماج" المتشددة حيال تفسيق وتبديع الدعاة وعلماء الأمة سببٌ رئيس، حيث لم يسلم منهم لا مجاهد ولا داعية ولا طالب علم، وأنهم قسموا الصف السلفي نفسه، بشدتهم على إخوتهم، ورميهم بالحزبية أو العمالة أو الضلال.

كنت أجيب بأن هذا الأمر ليس وقته، فلا يصحّ مروءةً الحديث في اختلافاتنا معهم، وهم في مرمى المدافع الحوثية، ويستقبلون زخات الرصاص لرشاشات حديثة بأيدي أعدائهم، فيما الحكومة اليمنية خذلتهم، ولم تستطع إيقاف هذا الهجوم الضاري عليهم، وحتى القبائل السنية هناك، لم تنتصر لهم، وتركوهم وحدهم.

مهما كانت ملاحظاتنا على إخوتنا هناك، فالوقت وقت شهامة ونصرة، لا وقت شماتة وتصفية حساب، وهؤلاء وإن اختلفنا معهم في بعض الجزئيات، فهم جزء مهم من نسيجنا السنّي الأصيل، ويُحفظ لهم عنايتهم بالسنّة والحديث، والمحافظة على العقيدة التي عليها منهج علمائنا هنا في المملكة.

أعلم بأن السياسة لها كلمتها، فلا عدو دائم ولا صديق كذلك، ولكن منطقة "صعدة" التي تتماس معنا، في اليمن المليء بالقلاقل وعدم الاستقرار، لربما ينعكس سلبا علينا، وكان هؤلاء على الأقل شوكة في حلوق هؤلاء الحوثيين الذين لا نثق أبد الدهر بنواياهم، طالما كان احتكامهم لـ"ملالي طهران"، والوجه الوادع الذي يظهرون به؛ لن ينسينا ما فعلوه قبل أعوام في حدودنا الجنوبية، فلولا حزم جيشنا السعودي، لتمادوا في الأمر. وأشعر بأننا فقدنا برحيل هؤلاء الرهط عن تلك المنطقة ورقة كانت بيدنا، ففي النهاية أية سلفية في العالم، تحتكم لعلمائنا وتدين بالولاء لكل ما فيه خير.

ما زالت الفرصة بيدنا، لنظهر نخوتنا للإخوة هؤلاء، عبر مساعدتهم في إعادة بناء "دار الحديث"، وكفالة طلاب العلم الذين توافدوا عليهم من عشرات دول العالم، ورعاية أسرهم وذراريهم.

نصرة الأخ المسلم التي نرددها ونحفظها، إن لم تكن في مثل هذه الظروف، فليت شعري متى؟!

عبدالعزيز قاسم

أضف تعليقك

تعليقات  0