هل السعادة خيار؟


مع ازدياد حالة التذمر والسلبية بشكل واضح في المجتمع مما يعبر عن حالة عدم الرضا والتعاسة، يزداد أيضاً التساؤل حول ماهية السعادة. ما الذي يجعلنا حقاً سعداء؟ وما المصدر الحقيقي للسعادة؟

إن مفهوم السعادة هو موضوع شغل الكثير من الفلاسفة، حيث يرى بعضهم أن غاية الفعل الإنساني هو بلوغ السعادة. حتى المطالب الإصلاحية السياسية والاجتماعية هي في النهاية تهدف إلى تحقيق حاجة نفسية إنسانية ملحة ألا وهي الشعور بالسعادة.

لا يهمنا هنا الدخول في جدل فلسفي حول مفهوم السعادة لكننا لابد أن نستذكر آخر ما توصلت إليه الدراسات العلمية حول الموضوع.

شاهدت مؤخراً فيلماً وثائقياً عن السعادة يستعرض دراسة مفادها أن خمسين في المئة من مقدار السعادة أو التعاسة التي يشعر بها الإنسان ترجع إلى تركيبته الجينية، وعشرة في المئة فقط من مشاعر السعادة أو التعاسة ترجع إلى الظروف المعيشية كالمدينة التي يعيش فيها الإنسان، نوع المسكن، مستوى الدخل، نوع العمل، وظروف المعيشة بصورة عامة. أما الأربعون في المئة الباقية فهي تعتمد على السلوكيات التي يختارها الإنسان. معنى ذلك أن ما كنا نعتقد أنه مصدر لسعادتنا أو تعاستنا لا يمثل إلا جزءاً ضئيلاً منها، وأن ما يقارب النصف من مقدار السعادة يعتمد على خياراتنا. فهل السعادة هي فعلاً خيار؟

يعرض الفيلم لقاءً مع رب أسرة هندية في كالكاتا فقيرة جداً، وتعيش في منزل من صفيح عبارة عن غرفة واحدة ينام فيها جميع أفراد العائلة. يروي رب الأسرة عن سعادته عندما يرجع آخر النهار بعد قضاء يوم شاق من العمل، ويتناول وجبة المساء مع عائلته وبعض الجيران. ويعرض الفيلم لقاءً آخر مع رجل برازيلي يسكن في بيت أقل من المتواضع، ولا يملك شيئاً غير هواية ركوب الأمواج التي تمده بالسعادة وتغنيه عن الحاجة للمال والمقتنيات العينية. ويعرض الفيلم أيضاً نتائج إحدى الدراسات التي تؤكد أن أكثر شعوب العالم تعاسة هو الشعب الياباني رغم حالة الرفاهية والتقدم التي يتمتع بها.

تذكرت أيام الدراسة في أميركا، عندما كنت دائماً أتساءل عن سر سعادة من يعمل كاشيراً في الجمعية، ويتقاضى عشرة دولارات في الساعة يعيل بها أسرته، أو سر سعادة ذلك الطالب المقترض للآلاف من الدولارات كي يدفع مصاريف الجامعة ويعمل بوظيفة أو اثنتين كي يوفر لنفسه مصاريف السكن والأكل، ليتخرج ويبدأ حياته المهنية كي يسدد ما ينتظره من ديون لسنوات طوال.

إذا كانت السعادة هي فعلاً خيار فما الذي يمنعنا من هذا الاختيار؟
أضف تعليقك

تعليقات  1


فهد المطيري
لا السعادة طماط