إسرائيل «العظمى»!


بائع الكعك في الصالحية لم يجد ما يبيعه.. الكتب في شارع أبو نواس صارت أدوات للزينة.. الطعمية في ميدان التحرير طعمها فقد طعمه. دمشق بدون دمشق، بغداد لم تعد تسهر مع الفرات ودجلة عكّرها الغزاة. مصر ليست بهية التي نعرفها، وفلسطين فلسطينان محتلتان.

حان الوقت لنقول لتل أبيب استريحي عشرين، خمسين سنة، لقد اكتمل إنشاؤك وزال عنك الخطر الآن، وغداً تصبحين «عظمى».. صدقت نبوءة بن غورين الذي قال: عظمة إسرائيل ليست في قنابلها الذرية ولا ترسانتها النووية، بل في انهيار ثلاث دول، مصر والعراق وسوريا!

ولتصبح إسرائيل عظمى، كان لا بد أن تصبح الأمة العربية «صغرى».. وهذا ما كان وما هو كائن الآن. كل دولة تتحسس أمنها الداخلي، تتوجس من بو عزيزي جديد، ومن خلايا نائمة، ومن «قاعدة» أو «نصرة» أو «داعش» تنفذ مهمة التفتيت الكبرى. لكأنها مسميات لمخطط واحد، لا يستثنى إلا من أسلم أمره للموت وغادر من بوابة جهنم.

لكن البوابة لا تزال مفتوحة على حرائقها، وعلى عتبتها ملك إسرائيل الجديد بنيامين نتنياهو وخادمه أفيغدور ليبرمان.

ليبرمان هذا المولدافي المولد، الذي لا علاقة له ببرتقال يافا ولا بقلعة عكا وبحر حيفا، اليميني المتطرف يتبنى فكرة «تبادل السكان»، وهي أساس تنفيذ «يهودية» إسرائيل، التي يضعها حزب الليكود بزعامة نتنياهو في رأس قائمة أهدافه.. ما يعني طرد أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني من مدن فلسطين 1948 إلى «بعض» الأراضي المحتلة عام 1967، أو ربما إلقاؤهم في البحر! كما يعني إلغاء حق العودة للاجئين، بما فيه حقهم في التعويض، وشطب القضية الفلسطينية نهائياً من المواثيق الدولية، الأمر الذي يعتبر انتحاراً تاريخياً فلسطينياً لا حياة بعده.

تتسق فكرة التبادل مع ما يروج له وزير الخارجية الأميركي جون كيري، من خطط لخرائط جديدة تشي بأن الولايات المتحدة ضالعة في خطة إنهاء القضية الفلسطينية، ولا نقول حلها. أما الخلاف بين وزير الدفاع الإسرائيلي الجنرال يعلون، ووزير الخارجية الأميركي، فهو خلاف مفتعل، وسيؤدي حتماً في النهاية، إلى تبني مواقف إسرائيل بالكامل، بحجة إرضاء المتطرفين من أمثال يعلون، ولن تؤثر في نهج كيري ورحلاته المكوكية، لإنجاز الإطار المقترح، أو بالأحرى الخطة الأمنية لإنهاء الصراع. وهذا ما حدث بالفعل، إذ أعلن كيري التزامه بالمهمة الملقاة على عاتقه، رغم كلام يعلون الجارح..!!

وكان يعلون قد اتهم كيري بأنه «ينطلق من دوافع شخصية «مسيحانية» لنيل جائزة نوبل، في جهوده لتحريك التسوية السياسية».. وهو ما اعتبرته الخارجية الأميركية كلاماً «مهيناً وجارحاً»، ما اضطر ديوان الوزير إلى إصدار بيان يعتذر فيه لوزير الخارجية الأميركي عن أقوال يعلون. وها هو داني ياتوم نائب وزير الأمن الإسرائيلي، يهدد كيري عشية جولته الأخيرة «إذ انعطف يساراً، فإن الليكود لن يسمح له».

هذه أخطر مرحلة في تاريخ القضية الفلسطينية، بعد اغتصابها عام النكبة وعام النكسة.. ترى أي اسم سيختاره العرب للنكبة الجديدة؟!

للأسف، فإن ما سمي الربيع العربي قد مهد الطريق أمام إنهاء القضية الفلسطينية وولادة الدولة اليهودية، وذلك من خلال خلط الأوراق في المنطقة، بإحياء المخاوف العربية من أطماع بعض دول الجوار، مثل إيران أو غيرها من الدول الإقليمية الأخرى. وهو ما تسعى إسرائيل من أجله، فقد صدر عن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو تصريحان هامان في يوم واحد، الأول حمل فيه على الاتحاد الأوروبي ووصف دوله بـ «المنافقة». والثاني أشاد فيه بما أسماه التحولات في مواقف بعض الدول العربية التي لم تعد تنظر إلى إسرائيل كعدو، بل ربما كشريك وحليف في مواجهة إيران، على حد زعمه.

إنها ذات اللعبة الاستعمارية القديمة «فرّق تسُد»، وهي التسمية الغربية للعبة الفتنة اليهودية على مر التاريخ.

إن من احتل وساعد في احتلال فلسطين على مرحلتين، وفي المرحلة الثالثة أنهك ودمر قوة العراق ومصر وسوريا، قادر في المرحلة الرابعة أن يتمدد من النيل إلى الفرات، وأن يوجه مدافعه إلى ما هو أبعد، وأن يخطط لتهويد كل مكان كان فيه لليهود منذ ثلاثة آلاف سنة، موطئ قدم أو بيت سكنه الحاخامات.

لكأن قدر العرب أن يبقوا مكاناً للعنات التاريخ، لتمر من فوق رؤوسهم مخططات تدمير الهوية العربية والإسلامية، وبين أصابعهم أقلام التوقيع على شهادة وفاتهم!!

rashad-ad@hotmail.com

أضف تعليقك

تعليقات  0