مسرح العرائس والنخبة المثقفة


هناك وجه آخر -بخلاف بعض الأنظمة- في الأحوال التي تمر بها حالة التردي العام في العالم العربي، وهو الموقف السلبي للنخبة المثقفة التي تؤْثر السلامة، ولا ترغب في تغيير الحال، ونظرها لا يتعدى تحقيق المراكز الوسطى في كل شيء. والموقف الوسطي الهلامي في كل شأن، وهو الأمر الذي أدى الى ضياع الموقف الشعبي الواعي والضاغط على النظام والحكم، كما ضاعت حالة اتخاذ القرار وتسيير شؤون الدولة والمضي قدماً من قبل الأنظمة ذاتها.

فالنخبة المثقفة، التي تدخل في عدادها التيارات الفكرية والسياسية والثقافية، تقف دائماً موقف المتفرج على الحدث، تنتظر أن تكتمل كل مراحله حتى تحدد موقفها من الحدث العام الداخلي، وهو موقف يبحث عن التوازن في الحفاظ على المكاسب الذاتية أو الشخصية، وفي الوقت نفسه، يجامل النظام حرصا على مكاسب أخرى، وتحقيق مناصب معينة لدى النظام، فالوضع على سبيل المثال في سوريا في بداياته، التي ارتكب فيها النظام السوري جرائم فظيعة، كان موقف النخبة، وخصيصا في دمشق، التفرج على ما يحدث، ووضع التبريرات، وإضاعة الوقت بجدل عقيم شعاره الظاهر الحفاظ على مصلحة الوطن وتماسكه، وواقعه المُرّ هو الخشية على المكاسب والمصالح التي يرتبط بها هؤلاء مع النظام، وهو ما أوجد جزءا من الدعم غير المباشر للنظام في الاستمرار بأعماله الإجرامية، وهو ما انتهى معه الأمر الى ان موقف النخبة بعد أن تحول مع الثورة ضد النظام، لم يعد له من جدوى.

ونجد في دول أخرى عديدة في الكويت ومصر وتونس وغيرها، أن النخبة المثقفة لا تفصح عن آرائها بصورة جريئة وواضحة للحكومات، بل إنها تلبسها بلبوس النقد، الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، بل ويشعرها بأنها صائبة في آرائها وموقفها وسياساتها، نظرا لأن موقف النخبة يعطيها شعورا بذلك، فهي (أي النخبة) لا تتردد في المشاركة في مؤسسات القرار الشكلية، كما أنها تشارك في أعمال ولجان حكومية لا تقدم حلولا ولا آراءً، وإنما تكون أداة لمباركة الواقع الذي تسير عليه الدولة بسياسات غير مجدية، أدت إلى تآكل مؤسسات الدولة وتأخرها وعدم جدية أي مشروعات فيها، ومع ذلك نجد أن هذه النخبة، ومن يدور في فلكها هم من يساهمون في حالة التردي العام في البلد.

إن إشكالية معظم الدول في العالم العربي ليست إشكالية أنظمة حكم فقط، على الرغم من أنها اللاعب الرئيسي في هذه الإشكالية، وإنما هي أيضا إشكالية شعوب تُقاد من قبل نخبة مثقفة ليست لها مصداقية، وتبحث عن السلطة والأضواء والشهرة والمكاسب، ولا تبحث عن تقويم مسار الدولة وترشيد نظام الحكم، وهو الأمر الذي يعود بالويلات على أغلب أنظمتنا العربية.

اللهم إني بلغت،

أ.د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0