كيف حال لساننا.. لولا لسان العرب؟


«لما رأيته قد غلب في هذا الأوان من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحنا مردودا، وصار النطق بالعربية من المعايب معدودا.

وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون، وسميته (لسان العرب)».

هكذا قدم ابن منظور لأهم وأشهر أعماله وأضخمها، معجمه «لسان العرب» الذي طارت أصداؤه في الآفاق وخلد اسم صاحبه في التاريخ العربي والإسلامي بكتاب جمع فيه أمهات كتب اللغة فاعتبر من أتم المؤلفات في اللغة بلا جدال، بل كاد يغني عنها جميعا كما ذكر علماء اللغة والباحثون فيها.

فإن كان الناس في عهد ابن منظور في القرن الثالث عشر من الميلاد أي قبل 800 عام، قد أهملوا اللغة العربية وتفاخروا بلغات الأعاجم كما ذكر في مقدمته، فماذا كان سيقول لو شهد عصرنا هذا باعوجاج الألسنة العربية فيه، وتماهيها مع ألسنة زرق العيون، ومسخ للغة الأم ليس محصورا في أناس عاديين فقط بل بأشخاص بلغوا مراتب عليا من التعليم ظهرت معها انحرافاتهم اللغوية بمظهر مشين لشهادات علمية حازوها ومهين للغة كانت تعول على أمثالهم بحفظها، لا بتشويهها والتنكيل بها، لا نستثني منهم أدباء وشعراء وعلماء ومفكرين

نعود لابن منظور وموسوعته الخالدة لسان العرب، فبودي هنا أن تقفوا على شيء من سيرة هذا الرجل وما بذله طيلة حياته لأجل اللغة وعلومها.

هو محمد بن مكرم بن علي المعروف بابن منظور، من أحفاد الصحابي رويفع بن ثابت الأنصاري، ولد في مصر عام 630 من الهجرة، وتوفي وعمره 82 عاما، كان رحمه الله عالما متبحرا في الفقه واللغة والنحو والتاريخ والكتابة، غلب على أعماله اختصارات الكتب السابقة، وخاصة كتب الأدب المطولة لم يمل من ذلك قط حتى قال عنه الصفدي: «ولا أعرف في كتب الأدب شيئا إلا وقد اختصره».

وقال عنه أيضا: «أخبرني ولده قطب الدين أنه ترك بخطه خمسمائة مجلدة» وقال: «ولم يزل يكتب إلى أن أضر وعمي في آخر عمره رحمه الله تعالى».

من أهم وأشهر الكتب التي قدمها لنا مختصرة: كتاب الأغاني للأصفهاني، يتيمة الدهر للثعالبي، كتاب الحيوان للجاحظ، تاريخ دمشق لابن عساكر، تاريخ بغداد للسمعاني، صفوة الصفوة، مفردات ابن البيطار، وغيرها الكثير مما لا تسع المساحة هنا للإحاطة بها كلها. باختصار كان رحمه الله مدمن لغة مهووسا بها متيما بعشقها.

أما «لسان العرب» الذي يعد أهم مرجع لغوي في هذا العصر للعلماء والكتاب والطلاب، فقد جمع ابن منظور فيه ما تفرق بين أمهات المعاجم العربية الخمسة السابقة عليه، لم يتصرف بأصولها، لكنه كما ذكر في مقدمة كتابه أنه «وجد الذين سبقوه إما أحسنوا الجمع وأساءوا الوضع والترتيب، وإما أحسنوا الوضع ولكنهم أساءوا الجمع»، فقام هو بالجمع بين صفتي الاستقصاء والترتيب دون أن يتصرف بأصول ما نقله منها.

وبلغ عدد المواد اللغوية التي ضمنها لسان العرب ثمانين ألف مادة، وهو ضعف ما في الصحيح، وأكثر بحوالي 20 ألف من القاموس المحيط للفيروز آبادي.

البديع في لسان العرب غير فائدته العظيمة في تفسير معاني المفردات وأصولها واشتقاقاتها أنه بحر غزير بالمعارف، تصفحه شبيه باصطياد لآلئ تظهر لك دون سابق ميعاد، فوسط شرح إحدى المفردات، تجد أمامك آيات قرآنية وأحاديث نبوية وأبيات شعر وقصصا من التراث وأمثالا قديمة وعبارات سائرة وأسماء لقبائل وأشخاص وأماكن وأخبار ووقائع للعرب، وشيئا من النحو والفقه والبلاغة، حتى تشعر كأنك تتصفح غوغل بنسخة عربية زاخرة بالبدائع.

هو لسان عربي مبين، صندوق ضخم مليء بجواهر نفيسة، فاذكروا صاحبه الذي أهداكم إياه بين دفتين، وادعوا له بالجنة وحسن الثواب والمآب.


@mundahisha

أضف تعليقك

تعليقات  0