من «الربيع» إلى... الشتاء العربي!


في 28 يناير العام الماضي، أي قبل عامٍ تقريباً من اليوم سطرت على صفحات «الاتحاد» مقالاً بعنوان: «عامان على الربيع العربي ووهم التغيير»، قلت فيه إنه ربما يكون من المبكر ومن عدم الإنصاف أن نصدر أحكاماً سريعة على نتائج ومآلات التغيير العربي أو ما يُعرف بـ«الربيع العربي» أي ما يوصف مجازاً بالثورات. وقد علقت خلال العامين الماضيين موضحاً كيف أن ما يجري في بعض الجمهوريات العربية لم يقتلع الأنظمة السابقة كلياً... وختمت مؤكداً أن جمهوريات «الربيع العربي» تعيش اليوم حالة الوهم الحرجة التي نشهد تجلياتها في مصر وغيرها... هناك تخبط وفوضى وعدم استقرار من الأنظمة الجديدة وفي المجتمعات الثائرة. وهناك حالة تذمر وإحباط من شعوب تتسرع في انتظار حصاد نتائج الحراك الثوري... والطريق لا يزال شائكاً وطويلاً... ولنتذكر ما قاله تشي غيفارا: «إن الثورة يُفجّرها حالم، ويقودها مجنون، ويقطف ثمارها انتهازي».

وفي 29 يوليو 2013 سجلتُ عودة لزيارة ما حل بجمهوريات «الربيع العربي» المأزومة، فسطرت في «الاتحاد» مقالاً آخر بعنوان «نهاية الربيع العربي» بعد عامين ونصف من انطلاق قطار التغيير الجديد، بيّنت فيه أن «المتأمل في الأوضاع الصعبة والمعقدة في الجمهوريات العربية التي اجتاحتها موجات التغيير خلال العامين الماضيين وحالة التراجع على جميع الأصعدة وخاصة الانقسام الحاد في المجتمع، والاحتكام للشارع والانكشاف الأمني والسياسي والاقتصادي، وحتى الفوضى... لا يمكنه إلا أن يسأل ماذا حل بالربيع العربي؟ هل كنا واهمين؟ بل، هل انتهى وفشل الربيع كلياً في إحداث الانتقال والتغيير للأفضل؟». واليوم أعود إلى موجة التغيير في الجمهوريات العربية لرؤية مآلات ثورات تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن لرصد الواقع الصعب الذي تكشّف عنه وهْم التغيير، وتردي الأحوال على جميع الصعد وخاصة الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية... وختمت ذلك المقال: «وفي المجمل، فإن المأزق السوري وحالة الانقسام والضياع والانكشاف في جمهوريات الربيع العربي الأخرى، بالتأكيد قد فرملت وقضت على أحلام ربيع التغيير السلمي لتجاوز الواقع المزري والصعب في الجمهوريات العربية المأزومة... لابد من طرح السؤال المحوري: هل انتهى الربيع العربي، وبالتالي ترسخت حالة الاستعصاء والاستثناء العربي في التغيير الديمقراطي؟!».

ويعود السؤال المهم عن الحصيلة. وأذكر عندما كنا ندرس في أميركا في عام 1980 فاجأ ريجان الناخبين الأميركيين في تنافسه مع كارتر على منصب رئيس الولايات المتحدة عندما وجه كلامه لأفراد الشعب الأميركي وسألهم سؤالاً بديهياً وبسيطاً: «هل أنتم اليوم أفضل حالاً مما كنتم عليه قبل 4 سنوات؟»، أي سنوات رئاسة كارتر. وطبعاً كان وضع الأميركيين أسوأ كثيراً مما كانوا عليه قبل 4 سنوات، ولذلك اكتسح المرشح ريجان صناديق الاقتراع -وكانت أكبر هزيمة يتلقاها مرشح للرئاسة في تاريخ الانتخابات الأميركية.

والسؤال نفسه يوجه للجماهير والناخبين في الجمهوريات العربية التي شهدت ما يُعرف بالثورات أو التغيير: هل أنتم أفضل حالاً اليوم مما كنتم عليه قبل 3 سنوات؟ هناك ظواهر وقع إسقاطها على الوضع السياسي والاجتماعي المأزوم في الجمهوريات العربية مثل صعود وسقوط جماعات الإسلام السياسي وخاصة حركة «الإخوان المسلمين» كظاهرة تستحق الدراسة، وكذلك زيادة الفرز والشحن المذهبي السني- الشيعي، ووجود بعض المنظمات الإسلامية المتطرفة وخاصة حركتي «جبهة النصرة» و«الدولة الإسلامية في العراق والشام»، وانعكاسات الأوضاع في جمهوريات الربيع العربي على الجمهوريات المجاورة لها.

وأكتب هذا المقال صباح يوم جمعة وثمة تفجيرات في القاهرة عشية الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير كما تُسمى في مصر... واعتداء على مقر للشرطة بسيارة مفخخة أودت بحياة خمسة أشخاص وجرح 80 في دلالة على التحديات التي تواجه بلاد الثورتين وثلاثة رؤساء في ثلاثة أعوام! أما في ليبيا فيواجه النظام الانتقالي أيضاً تحدياً صعباً... حيث سقط عشرات القتلى في المواجهات المستمرة وسط انفلات أمني وحكم الميليشيات المسلحة في وقت تقترب فيه ليبيا من الذكرى الثالثة لثورة 17 فبراير وهي تواجه وضعاً معقداً ومأزوماً إلى حد بعيد.

أما في سوريا عشية ذكرى ثورتها، فهناك أكثر نماذج التغيير قرباً من توصيف ثورة كلاسيكية تحولت إلى صراع دامٍ بألم وحرقة، وسط تضارب المصالح والأجندات وحروب الوكالة الإقليمية بين الآخرين فوق أرض سوريا، على نحو جعلها هي الجرح النازف في جسد الأمة العربية. وفي هذه الأثناء يستمر قتل السوريين بالبراميل المتفجرة والقصف الصاروخي والحصار والتجويع. ويموت السوريون والفلسطينيون جوعاً في بعض مدن البلاد المحاصرة، ومخيم اليرموك الفلسطيني في قلب دمشق. وينعقد مؤتمر جنيف 2 وسط انسداد أفق وتبادل اتهامات وتنابز بالألقاب. وقد تنكّر وتنصل وفد النظام السوري الرسمي من مرجعية جنيف 1 وتشكيل هيئة انتقالية بصلاحيات تنفيذية وهدد بالانسحاب لأن الأسد في نظره خط أحمر على رغم سقوط ما يقارب 150 ألف قتيل وأضعافهم من الجرحى، وتحول نصف الشعب السوري بين لاجئ ومشرد ونازح. ولم يثن نشر صور مروعة وصلت لأكثر من 50 ألف صورة لـ11 ألف معتقل سوري قُتلوا تحت التعذيب في سجون وأقبية نظام الأسد عن التلميح بأنه سيترشح لانتخابات الرئاسة في الصيف القادم في استخفاف كلي بالشعب السوري وبالمجتمع الدولي الذي وقف صفاً مُوحّداً مؤكداً فقدانه الشرعية، وعدم أهلية نظام يتغول في قتل شعبه بوحشية على حد وصف وزير الخارجية الأميركي جون كيري في مؤتمر جنيف 2.

وفي اليمن يستمر أيضاً القتال والعنف وسقوط الضحايا في الذكرى الثالثة لبدء انطلاق ثورة التغيير اليمنية وهي قد تكون الفريدة التي سقط فيها النظام وقد نجحت مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي في إنهاء حالة الاحتراب اليمني مع بقاء الرئيس السابق علي عبدالله صالح في اليمن، ويتم التجديد لنائبه ورئيس اليمن الانتقالي عبد ربه منصور هادي لعام آخر بعد موافقة لجنة الحوار الوطني على هذا التمديد... وقد استقال رئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني محمد سالم باسندوه في خطوة وُصفت بالتمثيلية وقال المنتقدون إنها «تهدف إلى الحصول على تجديد الثقة له على مشارف انتهاء ولاية حكومته في فبراير القادم». وكل هذا يتفاعل في ظل حروب الحوثيين في الشمال والانفصالين في الجنوب وممارسات تنظيم «القاعدة» واستهداف الطائرات الأميركية بدون طيار لقياداته وكوادره في اليمن.

أما تونس صاحبة ثورة الياسمين ومن فجرت الحراك الثوري العربي في أقصر عملية تغيير فتبدو هي الأقل اضطراباً وتردياً... على رغم وقوع أحداث واغتيالات سياسية في العام الماضي، وإقصاء ائتلاف حكومة حزب «النهضة» الإخواني، والتصويت على دستور جديد وصفه الغنوشي بأنه «أعظم دستور في العالم، دستور الثورة، دستور الوفاق، ودستور لا غالب ولا مغلوب، بل الكل منتصر..». وتنتظر تونس استحقاقات صعبة ومعقدة.. ولكن مع كل ذلك تبقى التجربة التونسية في التحول هي الأمل الوحيد المتبقي كنموذج ممكن لنجاح التغيير على رغم هشاشة ذلك النموذج وإمكانية تصديره وتقليده من قبل الجمهوريات العربية الأخرى.

وفي المقالة القادمة سأتناول الأبعاد الاقتصادية بلغة الأرقام وكيف قادت لتردي الأوضاع المالية والاجتماعية وجمود النمو الاقتصادي وزيادة البطالة في جمهوريات «الربيع العربي» وجوارها، وبتكلفة تجاوزت 800 مليار دولار منذ عام 2011.
أضف تعليقك

تعليقات  0