سوريا.. مسلسل البراميل المتفجرة والتجويع متواصل


من الصعب أن ينصرف الفكر عن مسلسل جرائم القتل المتواصل في حلب ومدن سورية أخرى.

العنف وعمليات الإرهاب تمتد إلى كل أنحاء البلاد العربية؛ العراق، سوريا، لبنان، مصر، ليبيا.

ما إن تفتح عينيك على قناة تلفزيونية أو جريدة أو ما ينقله الإنترنت، إلا وتهاجمك الأخبار عن انفجار سيارات مفخخة أو حزام انتحاري.. كل ذلك بفعل جماعات إرهابية تتدثر بعباءة الجهاد الإسلامي، لمحاربة الأميركان أو الروس، لكن الضحايا دائماً مواطنو هذه الأقطار مسلمون، سواء كانوا سُنة أو شيعة أو مسيحيين.

لكن الوضع في سوريا مختلف، فجرائم نظام الأسد الأب، ثم الابن، تعكس التفنن في أعنف أساليب وصنوف القمع على مدى أربعين سنة.

لم يحدث في تاريخ البشرية أن قام نظام حاكم باستخدام أشد أنواع الأسلحة الفتاكة، بما فيها السلاح الجوي، لقصف مدن بمن فيها، من دون تمييز، وابتكر أخيراً سلاح البراميل المتفجرة، التي أمطرها، وما زال يمطرها، على حلب.. أحياء بكاملها تقصف، مبان يسكنها مدنيون وعائلات، بنسائها وأطفالها، يموتون تحت الأنقاض، وتنقل لنا القنوات التلفزيونية صور المباني التي سويت بالأرض على من فيها، في حين يكافح الأحياء في رفع الأنقاض، بحثاً عمن بقي حياً من نساء وأطفال أو انتشال جثامينهم.

ثلاث سنوات مضت ونظام الأسد يواصل مسلسل القتل، والمجتمع الدولي يتفرج ويقف عاجزاً عن تدخل يوقف المجازر، ولم يكتفِ هذا النظام باستخدام جميع أنواع الأسلحة، بل استخدم أخيراً سلاح التجويع، حتى الموت، كما يحدث في حمص ومخيم اليرموك.

القوى الدولية تقف مشلولة حتى عن التدخل الإنساني لإيقاف العنف، من أجل إيصال مواد الإغاثة.



مؤتمر «جنيف 2»

انعقد مؤتمر «جنيف 2»، لبحث إيقاف مسلسل الموت في سوريا، وإمكانية تحولها إلى نظام ديموقراطي يقر بحق الشعب في الأمن والاستقرار، واختيار نظام حكم يرعى حقوقه.

لكن هذا المؤتمر الذي عُقد على أساس البحث في تطبيق مقررات «جنيف 1»، لتشكيل هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات، تم إجهاضه، بسبب مراوغات وفد النظام السوري، المعزز بكل طواقم وزارة الخارجية، ليتفنن في ممارسة الجدل واللغو لإفشال المؤتمر، فطرح أجندة مكافحة الإرهاب، بذريعة ممارسات الجماعات الإرهابية الأصولية (داعش وأخواتها)، وتمسك بأن الأولوية هي لمحاربة الإرهاب، متجاهلاً أن أقسى وأبشع أنواع الإرهاب هو ما يفعله النظام، بقتل الناس بالبراميل المتفجرة.



عجز مجلس الأمم

في أزمة البوسنة عام 1992 - 1995، اتخذت الأمم المتحدة قراراً حازماً بإيقاف المجازر التي ذهب ضحيتها ثمانية آلاف من الرجال، وتهجير ثلاثين ألفاً من السكان، واعتبرت أن ما حدث مجازر ضد الإنسانية، ارتكبها الصرب، وتطهير عرقي، وطالبت بمحاكمة قائد القوات الصربية كرازنك، ورئيس جمهورية صربيا سلوبودان ميلوسوفيتش، بتهمة جرائم ضد الإنسانية.. وهذا ما حصل.

في سوريا، صعد رقم القتلى إلى ما يفوق 120 ألفاً، والمهجَّرون وصل عددهم إلى ثمانية ملايين، منهم مليونان خارج سوريا، هذا بالإضافة إلى عشرات الآلاف في السجون يعانون التعذيب ومنع وصول المساعدات الإغاثية إلى المحاصرين، الذين يموتون جوعاً. لكن مجلس الأمن الدولي عاجز عن اتخاذ قرار بالتدخل على نحو ما جرى في البوسنة، بسبب الموقف الروسي، الذي ما زال يعتبر بقاء الأسد رصيداً استراتيجياً يزوده بالسلاح، وتتكفل إيران بالتمويل.



«داعش» وأخواتها

الجماعات الإرهابية (داعش وأخواتها) التي استقطبت عناصر الجهاد من الدول الأوروبية، بحجة محاربة النظام في سوريا، لم تفعل سوى رفع شعار تطبيق الشريعة الإسلامية، ونصب محاكم الشوارع، تمهيداً لإعادة حكم الخلافة الإسلامية، من دون أن تقوم بعملية واحدة ضد النظام، بل استهدفت القوى الأخرى المعارضة للنظام.

وفد النظام السوري إلى جنيف التقط التركيز على جماعات النصرة و«داعش» فروع القاعدة، ليعممها على جميع قوى المعارضة، حتى إلى درجة الادعاء بأن قصفه للمباني السكنية، لأن المقاتلين يختبئون فيها، ويمنع وصول المساعدات الإغاثية، ويرسل الطائرات لتمطر البراميل المتفجرة، بذريعة محاربة الإرهابيين.

الشكوك تزداد بأن «داعش» هي من صنع النظام، بعد إطلاقه سراح من كانوا في سجونه، ليشكلوا هذه التنظيمات، التي لم تقم بعملية واحدة ضده.

وما دام النظام متمترساً بمواقفه، باعتبار الأسد باقياً بإرادة الشعب السوري المحروم من أي فرصة للتعبير عن إرادته الحبيسة، وما لم تتغيَّر موازين القوى في ميدان المعارك، وتتعدَّل الإرادة الدولية، فلن يلوح في الأفق أي بصيص أمل لنجاح مؤتمرات جنيف.





عبدالله النيباري
أضف تعليقك

تعليقات  0