الحرية تهزم التطرف



لا شيء يمكنه أن يهزم التطرف والغلو مثلما تفعل الحرية وبالذات الفكرية، فالتطرف عبارة عن مجموعة أفكار متعصبة، والأفكار كما هو معروف لا يهزهما إلا الأفكار المضادة، لهذا فإن أول ما يتعين على الدول التي تواجه مجموعات متطرفة من أي نوع، هو رفع سقف الحريات كي يتمكن الناس من مناقشة الأفكار المتطرفة علانية وإثبات عدم واقعيتها وضررها على المجتمع.

وعلى النقيض مما تروج له أنظمة منظومة التعاون من أن لجوءها للقمع وتشديد القبضة البوليسية يهدف إلى حماية المجتمع من الأفكار الشاذة والجماعات المتطرفة إذ إن ذلك يشجع على التطرف والغلو لأنهما يرتبطان بعلاقة طردية مع القمع، بينما علاقتهما عكسية مع حرية الفكر والرأي والتعبير، فالمجتمعات المغلقة تكون عادة بيئة خصبة وأرضاً صالحة لانتشار الأفكار والاجتهادات والحركات المتطرفة والمتزمتة التي لا يمكن لها أن تعيش تحت الضوء.

وإلقاء نظرة سريعة على خارطة العالم ستبين لنا ما هي الدول التي ينمو ويتمدد فيها التطرف الديني والفكري، وهي دول قمعية متخلفة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً فالتخلف والتطرف وجهان لعملة واحدة.

ولماذا نذهب بعيداً؟... فلنأخذ تاريخ الكويت المعاصر كمثال هنا، فعند بداية العهد الدستوري وانفتاح الكويت ثقافياً على المحيطين العربي والعالمي كان التطرف الفكري والديني في أدني درجاتهما، بينما نجد أنهما بدآ بالانتشار والازدهار بتشجيع من الحكومة أثناء فترة التراجع الديمقراطي بدءاً من عام 1976 عندما تم تجاوز الدستور وحل مجلس الأمة، ثم حل الجمعيات والنقابات والنوادي التي عارضت ذلك وفي مقدمتها "نادي الاستقلال" الذي لايزال معطلاً، بينما سمحت الحكومة آنذاك لـ"جمعية الإصلاح الاجتماعي" التي تمثل جماعة "الإخوان المسلمين" بالاستمرار، لأنها باركت التعدي على الدستور، ثم سمحت بعد ذلك بفترة قصيرة بإشهار "جمعية إحياء التراث" التي تمثل التيار السلفي، وقبل مدة ألغت حظر "الجمعية الثقافية الاجتماعية" التي تمثل التيارات السياسية "الشيعية".

وعلى الجانب الآخر تم التضييق على التيارات الوطنية الديمقراطية، وتم تهميش الثقافة المستنيرة لمصلحة ثقافة التسطيح والأفكار البالية، وفرضت الحكومة رقابة مشددة على الكتب الفكرية القيمة وهمشت دور المفكرين والأدباء والفنانين المميزين بينما سمحت بكتب الشعوذة والسحر والخزعبلات والأفكار المستهلكة وأُبرز مروجوها في البرامج التلفزيونية والإذاعية في الإعلامين الرسمي والخاص في آن، فأصبحت البرامج السطحية والمسرحيات التجارية التافهة تحظى بإقبال جماهيري كبير!

لهذا انتشرت الأفكار السطحية والمتطرفة وأصبح لها قبول اجتماعي خصوصاً بين قطاع الشباب على حساب الثقافة الجادة. لذا فالمطلوب الآن لمحاربة التطرف والغلو والتزمت ليس القمع أو الحظر أو المطاردة، بل رفع سقف الحريات وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير وتنظيمها، ثم التوقف عن رعاية وتشجيع التيارات المتخلفة، وإتاحة الفرص المتساوية للجميع ضمن إطار القانون فلا شيء يهزم التزمت والتطرف والغلو مثلما تفعل الحرية الفكرية، فهل تدرك دول "مجلس التعاون" ذلك بدلاً من فرض القبضة البوليسية (الاتفاقية الأمنية الخليجية مثالاً) التي لن يستفيد منها سوى التيارات والعناصر المتطرفة التي تنمو في الظلام؟!
أضف تعليقك

تعليقات  0