الدرس الأوكراني الذي يجب ان يستوعبه العرب


تردد الزعيم الروسي فلاديمير بوتين في الاعتراف بنتائج ما حدث في كييف، وتشكيكه في شرعية ما حدث في أوكرانيا يعطي صورة مؤكدة عن التفكير المصلحي الروسي، إذا قارناه بالانسجام الدعائي الذي يميز علاقات قيصر روسيا الجديد بالنظام الانقلابي في مصر.

فالبرلمان الأوكراني صوت بأغلبية واضحة على عزل الرئيس فيكتور يانكوفيتش، وهو برلمان يختلف عن معظم برلماناتنا العربية في أنه يشكل قوة سياسية رئيسية تضم 450 عضوا، ويتمتع باستقلالية تشريعية مؤكدة بحكم أنه هو المسؤول الأول عن تشكيل الحكومة واختيار الوزراء.
ولعل هذا هو البند الأول في الدرس الأوكراني، ومضمونه أن وجود برلمان قوي هو أساس رئيسي للبناء الديموقراطي.

وأتذكر هنا أنني شاركت باسم الجزائر في اجتماع لاتحاد البرلمانات الإسلامية احتضنته الخرطوم منذ عدة سنوات، وكان من بين المشاريع المطروحة للنقاش مشروع إنشاء البرلمان العربي، الذي اتفقنا يومها على أن يكون برلمانا مؤقتا، نظرا لوضعيات مرحلية تمر بها معظم المؤسسات التشريعية العربية، لا داعي، عفة، للتوقف عندها.

وكان الوفد المصري يومها برئاسة السيد فتحي سرور، الذي قدم مشروعا كان من أهم عناصره اعتبار البرلمان العربي جزءا من هياكل الجامعة العربية.

كنت آنذاك رئيسا للوفد الجزائري ورفضت هذا الطرح، وتفاعل معي عدد متميز من الأعضاء بحيث أجهضنا تماما المشروع المصري.

وبعد عدة سنوات عقد في بيروت اجتماع لم أحضره، نتيجة للتنظيم الذي اعتمده مجلس الأمة الجزائري بالنسبة المشاركة في الاجتماعات، حيث رأت قيادته إعطاء الفرصة لكل الأعضاء للمشاركة دوريا في المهام الخارجية، ولأن وفدنا لم يسر على النهج الذي اعتمد في العاصمة السودانية تم تبني الاتجاه المصري، وعقد أول اجتماع للبرلمان المؤقت في مبنى الجامعة العربية نفسه، أي أن هيئة تشريعية مهمتها مراقبة المؤسسة التنفيذية وضعت تحت رعاية مؤسسة لا تملك حتى حرية اتخاذ القرار التنفيذي، ولا تستطيع مجرد إلزام المؤسسات العربية بالاستجابة لتوصيات هيئة تشريعية، تسيّرها غالبا سلطات تنفيذية ويشوب انتخابات معظمها العوار المعيب.

وهكذا تتضح أهم إنجازات ما بعد سقوط حائط برلين، إذ استطاعت أقوى دول المجموعة التي كانت مرتبطة بموسكو السوفيتية إقامة برلمان حقيقي استطاع أن يفرض على رئيس الجمهورية إرادة دفعته إلى الفرار واللجوء إلى سفينة حربية روسية تقف في ميناء سيباستبول في شبه جزيرة القرم على البحر الأسود.

والقرم ، حيث القاعدة الأوكرانية المؤجرة إلى روسيا حتى عام 2042، معناها باللغة التتارية “القلعة”، وهو ما يذكر بالوجود الإسلامي في المنطقة خلال المرحلة العثمانية، وهي جمهورية ذات حكم ذاتي.

وبالمناسبة، هل هناك من يعرف وضعية قاعدة طرطوس السورية، التي تحتضن القاعدة البحرية الروسية الوحيدة في البحر الأبيض المتوسط ؟.
وهنا يتحتم علينا أن نتوقف قليلا لنراجع معلوماتنا عن أوكرانيا التي يقطنها نحو 50 مليون نسمة وتتمسكك بلغتها الوطنية رغم استعمال جزئي للغة الروسية، وكانت بجانب روسيا السوفيتية، دولة مؤسسة لمنظمة الأمم المتحدة في منتصف الأربعينيات، وكانت قبل انهيار الكتلة الشيوعية مستودعا للفعاليات النووية السوفيتية، ولكنها تخلصت بعد ذلك من كل وجود نووي.

وما قد ينساه البعض هو أن يالطا الأوكرانية احتضنت اجتماع ستالين وروزفلت وتشرشل في فبراير 1945 لتوزيع مواقع النفوذ لكل منهم بعد الحرب العالمية الثانية.

والأكثر أهمية عند التعرف على أوضاع أوكرانيا هو وضعية القوات المسلحة، التي تعتبر أقوى الجيوش في أوروبا الشرقية بعد الاتحاد الروسي، وقد شارك الجيش الأوكراني في عمليات حفظ السلام في كوسوفو ولبنان وسييراليون، كما قام بنفس العملية في العراق بدون المشاركة في أعمال قتالية أو شبه قتالية، ومن هنا لا يمكن اعتباره جيشا مرتزقا تزج به قيادته في معارك خارجية لتحقيق مكاسب معينة، مالية غالبا وسياسية أحيانا، أو الاثنين معا في معظم الأحيان.

وربما كان هذا هو خلفية موقف القوات المسلحة الأوكرانية من الصراع بين الرئيس فيكتور يانكوفيتش وجموع الشعب التي احتشدت في ميدان الاستقلال لتندد بتصرفات الحكومة.

فقد اتخذ الجيش موقف الحياد التام، ولم يتحول إلى قوى أمن عام تمارس قمع المتظاهرين، لأنه اتعظ بما عرفته بلدان كثيرة أصاب الفساد فيها القوات المسلحة لأنها وجهت بعيدا عن دورها الأساسي، وهو حماية الوطن من أي اعتداء خارجي، واستعمال القوات المسلحة لفرض الأمن الداخلي، وهو ما تفاداه يوما المشير المصري عبد الغني الغمصي، هو فيروس خطير يهدد بتآكل القدرة القتالية الحقيقية للجيش.

ونلاحظ هنا أن القيادة الروسية اتخذت موقفا متناقضا مع موقفها من تدخل قيادة الجيش المصري في العملية السياسية، فهي تستقبل الرئيس الأوكراني الهارب في قاعدتها البحرية بعد أن استقبلت قائد الانقلاب المصري على هامش فعاليات سوتشي الرياضة.

وحقيقي أن الاستقبال كان بروتوكوليا باهتا ولم تزد مدته عن 16 دقيقة (أو ثمان دقائق إذا تذكرنا الوقت الذي تستغرقه الترجمة، وربما خمس دقائق فقط إذا تذكرنا الأسلوب الشرقي الذي يستهلك وقتا معتبرا في السلامات والمجاملات)

وهكذا نجد أن الجيش الأوكراني أنقذ بلاده من حمام الدم لأنه تصرف باحترافية حقيقية، تماما كما حدث في تونس، حيث حافظ الجيش التونسي على الحياد التام مع الوجود الفعال، وهو ما مكن بلاد الشابي الخضراء من تجاوز محنة الصراع الداخلي التي غرقت فيها سوريا حتى قمة رأسها، والتي وضعت أرض الكنانة في وضعية فقدان توازن سياسي واقتصادي، وقسمت الشعب إلى فئتين متناحرتين، يزداد العداء بين كل منها يوما بعد يوم، بفعل قيادات معارضة لا توجد إلا في نوادي العاصمة، كتلك النباتات الطافية فوق سطح الماء، والتي لا توفر ظلا ولا تمنح ثمرا.

وحسب المعلومات المتوفرة فإن الإعلام الأوكراني كانت هادئا ورصينا، ولم يعرف حملات التحريض المبتذل ضد المعارضين، وربما كان السبب في هذا هو حياد الجيش الذي لم يشجع الصحفيين على ممارسة الارتزاق الرخيص على حساب المصلحة العليا للوطن.

وأهم من هذا نجد أن القضاء الأوكراني لم يتحول إلى عصا غليظة تمكن ياكوفيتش من قمع المخالفين لسياسته، وهكذا استحق القضاء الأوكراني أن يعتبر قضاء شامخا حافظ على الدولة، واحتفظ لنفسه بدور الحكم النزيه الذي ترتضي كل الأطراف حكمه.

ويبقى درس آخر لنا جميعا، حيث أن علينا ألا ننسى بأن أوربا والولايات المتحدة تحركت في أقل من ثمانية أيام لحماية الشعب الأوكراني من الانزلاقات المحتملة، في حين أن ثمانية أشهر مرت على المعاناة الدموية المصرية بدون أن يكون هناك تحرك أوربي جاد، بل ربما على العكس من ذلك، نجد تشجيعا للقيادة الانقلابية، التي تعتبر خط الدفاع الأول ضد الإخلال المحتمل بمعاهدة سلام، تأكد اليوم أنها لم تحقق السلام الحقيقي للمنطقة، ووضعت المستقبل المصري تحت رحمة رأسمالية متوحشة ترعى معارضة سياسية مدجنة، وتخنق كل تحرك شعبي مصري يحاول حماية المصالح الحقيقية لشعب مصر، التي يراد لها أن تكون دركيا يحمي حدود إسرائيل من الهجرات الإفريقية.

وتأكد اليوم أن هناك توافقا روسيا أمريكيا على ترك الأوضاع في سوريا في وضعية تعفن متزايد، وهكذا تتحطم سوريا نهائيا كما تحطم العراق، ويخلو الجو لأعداء الوطن العربي لاستكمال ما لم يتم تنفيذه في مخطط سايكس بيكو
وهنا نفهم الدور الحقيقي الذي تمارسه إسرائيل اليوم في المنطقة العربية، حيث لم يكن لها أي تأثير في الأزمة الأوكرانية، ولهذا انتصرت إرادة الشعب هناك.

وسنجد هنا أمرا جديرا بالاهتمام، وهو أن المعونات الأوربية لأوكرانيا رُبطت بإصلاحات سياسية مرتقبة ومأمولة، ولم تكن مجرد رشوة مالية لا تنعكس فوائدها على مجموع الشعب، بل تستفيد منها كل العناصر المتناقضة مع إرادة الشعب، وتشكل جرعة أكسوجين لنظام انقلابي يختنق أكثر فأكثر يوما بعد يوم.

وسنلاحظ خلال كل ما حدث أن الأمن الأوكراني استطاع أن يُطهّر صفوفه فورا من العناصر التي مارست العنف القمعي ضد الجماهير، ولم يلجأ إلى بلطجية مأجورين لمواجهة التظاهرات الشعبية، وكان هذا ضرورة قصوى تنقذ أوكرانيا من حدوث شرخ بين المواطن وجهاز الأمن، وهو مؤسسة حيوية تشكل ضرورة لكل مجتمع يهدف إلى تحقيق الاستقرار والأمن والتنمية الحقيقية التي تعود فائدتها على الجميع.

وهذا كله جعل من تظاهرات كييف إنجازا سياسيا يليق بالتاريخ الأوكراني العريق، لتكون مفخرة أوربية، تماما كما كانت ثورة 25 يناير العظيمة في مصر.

وهكذا نجد أن ما حدث ويحدث في أوكرانيا ليس درسا واحدا ولكنه عدة دروس، وأهمها، وأعتذر عن التكرار، أن الضمان الحقيقي لعدم حدوث الانهيارات السياسية والاختلالات الاقتصادية والتوترات الاجتماعية والانفلاتات الأمنية هو التمسك بمبدأ فصل السلطات، وعدم تدخل الجيش في الصراعات السياسية، وخصوصا الانحياز إلى جانب أقليات فكرية ديناصورية ومعزولة جماهيريا، تمضغ الشوك بفم القوات المسلحة، وتجعل منها مخلب قط أبله أو أفيالا حمقاء يوجهها راكبوها لسحق الخصوم.
أضف تعليقك

تعليقات  0