لو كنا نفكر خارج الصندوق!


اعتدنا أو هكذا فعلت بنا التنشئة العربية برعاتها الرسميين، الأسرة والمدرسة والمجتمع، أن نتلقى الموجود ونعيد اجتراره، فذلك أسهل بكثير من تشغيل عقولنا وأكثر أمانا من كسر المألوف وأكثر قبولا لدى أحجار داخل رؤوس سميت «عقولا» زورا وبهتانا.

حضرت جلسة حوارية خارج الرسميات والمجاملات، حملت عنوان «الإبداع في مناهج اللغة العربية لوزارة التربية». عنوان جميل، بل في الحقيقة هذا العنوان هو ما شدني رغم زحمة مشاغلي لحضور الملتقى تلبية لدعوة أخي الفاضل الأستاذ طالب الرفاعي، فيهمني جدا أن أتعرف على هذا الإبداع في مناهجنا والذي لم أسمع عنه من قبل، والأهم لم أر له دورا في تحسين مخرجات نظام تعليمنا الحكومي.

لكن بعد أن تحدّث الموجه العام للغة العربية بالنيابة الأستاذ صبر العنزي، وهو بالمناسبة إنسان راقٍ دمث الخلق يتقبل كل الملاحظات بصدر رحب وهدوء وسعة بال، أقول إنه بعد أن تحدث عن المناهج ومحتواها، فوجئت بأن مصطلح «الإبداع» الذي سميت به الندوة كان يرمي إلى نصوص الشعراء المعروفين في الكويت قبل عشرات السنين وأصغرهم تجاوز الآن السبعين من العمر، والتي تم إدراجها في منهج اللغة العربية! هذا هو الإبداع.. فقط لا غير!

كانت خيبة أمل بالنسبة لي، فقد كنت آمل أن أستمع إلى إبداع حقيقي كما أفهمه، كسرا للمألوف وتفكيرا خارج الصندوق، ولكن للأسف لم يكن كذلك، مناهجنا ظلت عقودا طويلة جامدة باهتة لم تغير الألوان الحديثة التي يبدلون بها واجهة غلاف الكتاب كل طبعة جديدة من حقيقة أنها مناهج غير جاذبة، فاقدة لروح التشويق والإمتاع والإبهار، عاجزة عن إشعال جذوة الإبداع والابتكار لدى النشء، وكيف يتأتى لها ذلك ومؤلفوها، مع كل احترامي لهم، من العهد الداثر، وخريجو مدارس فكرية تقليدية جامدة؟ فأين لمثلهم أن يبدعوا أو يبتكروا مناهج وطرق تدريس مختلفة، أو يفكروا خارج صندوق تقوقعوا فيه زمنا طويا حتى باتوا يخشون أن يفتحوه ولو بقدر يسير ليروا آخر ما وصل إليه العالم من حولهم من إنجازات وابتكارات في صناعة وتأليف المناهج؟

المناهج في الكويت ولا أظن أن مثيلاتها في الوطن العربي تختلف عنها كثيرا، تركز على ماضينا وتراثنا والبحر والسيف والدرع وتمجيد الحكام والعِدا والفِدا وآن أن نحمي الحِمى والسؤددا، أغلب النصوص النثرية والشعرية تدور في هذا الفلك، وغابت عنها قيم نحن بأمس الحاجة إليها وسط زوبعة عصرنا الهائج هذا لنغرسها في النشء. أين قيم الحب والسلام والتعايش مع الآخرين؟! أين النصوص التي تدعو إلى نبذ التمييز والعنصرية واحترام البشر كافة بغض النظر عن الأصل أو المعتقدات؟! أين ترسيخ قيمة العمل التطوعي الذي نفتقده بين شبابنا إلا ما ندر، والتبصير بحقوق الطفل والمرأة والشباب؟! كل هذا غاب وتقهقر أمام طغيان نصوص ومواد منفصمة تماما عن واقعنا وحاضرنا، ومازالت تعيش أبيات صقر الشبيب وفهد العسكر، مع تقديري لما قدما من عمل أدبي، لكن آن الأوان أن ننفض الغبار عن كل ما تحشى به عقول أبنائنا، فنحن نريد شبابا يناقشون ويحاورون ويبادرون، لا خُشُبٌ مسنّدة تتلقى فقط ولا ترسل. نريد تعزيز الفكر الحر والنقد الحر البناء والقدرة على التعبير، كيف يتحقق هذا وهم يفرضون على الطلبة مناقشة النص الشعري والنثري داخل القوالب التي يجبرهم المنهج على تشكيل فكرهم ورأيهم بحجمها وشكلها وقياسها؟!

ابعثوا الحياة مرة أخرى في كتب اللغة العربية، جددوا روحها بإدراج نصوص عن مبدعين شباب من كتاب وشعراء وفنانين ورياضيين من الجنسين يملكون من الإعجاب رصيدا عاليا لدى النشء، سواء كانوا كويتيين أو عربا أو أجانب. وهل يعيبنا أو يجرح كبرياءنا العربية مثلا أن يكون هناك نص عن ستيف جوبز أو بيل غيتس ومسيرة إبداعهما، أو لاعب الكرة ديلبييرو الذي يتابع أخباره كل عشاق الرياضة، هل نتحسس مثلا من إدراج مسرحيات ومسلسلات كويتية أو عربية ضمن النصوص لمناقشتها وانتقادها وعصف أذهان الطلبة لابتكار سبل جديدة لتطويرها ورفع مستواها!

أعجبني تعقيب الوزير الأستاذ أحمد المليفي الذين كان ضمن الحضور على جملتي بأننا نحتاج لأن نبدع، فقال بل نحتاج لأن نتمرد!

وأقول: بل نحتاج يا معالي الوزير لنسف جذري.

mundahisha@
أضف تعليقك

تعليقات  0