حكم العجائز


قبل ثلاثة أسابيع نقل الكاتبان ديفيد كيركبارك ومايا الشيخ في "نيويورك تايمز" رأياً للناشط السياسي شادي غزالي حرب (قد يكون ابن الدكتور أسامة غزالي حرب) يقول فيه إن ما يحدث في مصر هو صراع أجيال، فكبار السن، هم من يقودون الدفة السياسية بالدولة في الماضي والحاضر، فمثلاً المشير السيسي عمره يقارب الستين عاماً، وكان حسني مبارك تجاوز الثمانين حين كان يحكم مصر، وليس الأمر قاصراً على عالم السياسة، بل يدخل في صميم الثقافة الاجتماعية المصرية، فالمصريون مازالوا يضحكون على مشاهد لعادل إمام الذي تجاوز عمره 73 سنة، ويشاهدون أفلام يسرا التي يبلغ عمرها 58 سنة،


 ويطربون ويهللون لعمرو دياب وعمره 53 سنة، والمضحك أن وزير الشباب خالد عبدالعزيز يبلغ من العمر 55 سنة، ويضيف الشاب شادي حرب أن ثلاثة من كل أربعة مصريين تقل أعمارهم عن الأربعين عاماً، وأن اثنين من كل ثلاثة تقل أعمارهم عن 35 سنة، ولنا أن نقيس على هذه المفارقات العمرية حتى مع حركة "الإخوان المسلمين" التي يبرز فيها أيضاً صراع بين الجيل القديم وجيل الشباب.

حصر شادي حرب نفسه في الشأن المصري، بينما الحقيقة أن الطاعنين في العمر يتسيدون المسرح السياسي العربي، قبل الربيع العربي ومع خريفه الحالي المرعب، ومازالت الدول التي لم تصبها رياح التغيير على حالها تسيرها حكمة المشايخ الطاعنين في العمر، ولا تختلف بقية الدول العربية عن الحال المصري، في نسبة الشباب المهمشين الجاثم على صدورهم وفرص إثبات وجودهم حكامهم المسنون.

هي الثقافة العربية القبلية، ومهدها التاريخي يقبع في شبه الجزيرة العربية، والتي دائماً يتصدر فيها شيخ القبيلة مجلس الحكم القبلي، وشيخ القبيلة مثلما هو شيخ وجاهة اجتماعية، هو أيضا شيخ في العمر يمثل حكمة السنين وتجارب العمر الطويلة، وكان يمكن أن نقبل هذه الحكمة لو كان زمننا اليوم مثل زمن الأمس، يتحرك بثقل وتؤدة سير قوافل الجمال في صحارٍ ممتدة يخيم عليها ليل ممتد ساكن توزع فيه على الجالسين بساطة وسذاجة حكمة الأيام الخوالي.

الأيام تبدلت والتاريخ ينطلق بسرعة تفوق الخيال، فكيف لهؤلاء المسنين من قادة نظام الحكم العربي أن يستوعبوا حركة التغيير، وكيف لهم أن يفهموا معنى جدلية الزمن، هم الآن يقمعون فرص الشباب، لأنهم يظنون أنفسهم الأدرى والأكثر خبرة وتجاربَ، هم ينحون جانباً حتى الشباب من أهلهم في بيوت الحكم، تحت وهم أن هؤلاء الشباب لم ينضجوا للحكم، ورغم أن كثيراً من هؤلاء الشباب لم يعودوا شباباً. النتيجة أن دولنا تسير ضد حركة التاريخ، تمشي الآن ببركة ريع النفط وبركة القدر... لكن إلى متى؟! النتائج ستكون كارثية مع تحديات الزمن القادم، وهي لن ترحم أحداً.
أضف تعليقك

تعليقات  0