خليجي السم... والسمسم!


التصعيد الدبلوماسي من السعودية والإمارات والبحرين ضد قطر يحمل أكثر من دلالة صريحة على حجم الخلافات الجسيمة في منظومة مجلس التعاون الخليجي، ولم تنفع المحاولات لتجميل هذا الكيان بمساحيق المكياج السياسي على مدى سنوات طويلة، بل كانت الشخصيات السياسية والمحللون وكتاب الرأي الذين يتناولون هشاشة الواقع الخليجي وتناقضاته يتهمون دائماً بالخيانة والتشكيك ووضع العراقيل أمام الوحدة والتقارب بين الأشقاء!

الانتكاسة الأخيرة في العلاقات الخليجية القطرية، وقد تكون القشة التي تقصم ظهر البعير، مردها المعلن الاتفاقية الأمنية الموقعة من جميع أعضاء مجلس التعاون باستثناء الكويت، والتي تتهم قطر بعدم احترامها وتنفيذها بموجب اتفاقات توضيحية إضافية تمّت في الرياض أواخر العام الماضي، وفي الكويت قبل أسابيع قليلة، ووجه الاتهام هنا تدخل القطريين في شؤون دول الخليج الأخرى لدرجة تهديد أمنها الوطني! وهذا ما حاولنا التحذير منه عندما استنفرت الحكومة ونوابها التابعون لإقرار الاتفاقية الأمنية.

واجهة الاتفاقية الأمنية تحمل خلفها مشاكل عويصة واختلافات جذرية بين الحكومات الخليجية في البعدين الإقليمي والدولي، وليست بالضرورة ذات علاقة بالحدود الجغرافية لكل دولة من دول مجلس التعاون، لأن الخلافات الداخلية مزمنة ولها جذور تاريخية بعيدة استمرت طوال مسيرة الخليجي، وما يهدد بقاء مجلس التعاون واستمراره اليوم وفي المستقبل هو التقلبات السياسية الإقليمية وترتيبات الواقع الدولي

الجديد، ولعل أحداث مصر تقع في صلب هذا الحراك الجديد، وموقف قطر تحديداً وتغريدها خارج السرب الخليجي في دعم حكومة الإخوان يبدو بلغ حد اليأس في علاجه، ولذا وجب توجيه هذا التحذير النهائي لها الذي قد يتطور إلى استبعاد دولة قطر من منظومة مجلس التعاون، وعندها تبدأ المشاكل الحقيقية في المنطقة إذا ما رأت الدوحة استبدال تحالفاتها الإقليمية عبر إيران وإسرائيل وتركيا والعراق.

محاولة تأديب الشقيق المشاغب قطر أيضاً تأتي في سياق تهيئة الأجواء السياسية لزيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما للمنطقة وللرياض تحديداً من أجل إغلاق الكثير من الملفات السياسية وإعادة رسم الاستراتيجية الخليجية فيما يتعلق بالأزمة السورية والملف النووي الإيراني وإعادة الاستقرار الأمني في كل من العراق ولبنان من خلال احتواء الجماعات الدينية المتشددة وكتائبها المقاتلة من أفغانستان إلى ليبيا وتقليم أظافرها.

ويبدو أن دول الخليج وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية قد اتخذت خطوات مهمة في هذا الشأن، ومنها استبعاد بندر بن سلطان عن قيادة ملفاتها الاستراتيجية، وتجريم القتال في الخارج رسمياً، واحتمال تغيير رموز الدبلوماسية السعودية التقليدية بعد زيارة أوباما مباشرة، والعائق الوحيد في إعادة هذا الترتيب هو دولة قطر!

بعد كل هذه التخبطات في السياسة الخارجية وأولويات الحكومات تبقى الشعوب الخليجية هي الضحية المغلوب على أمرها التي طالما غنت لها القيادات السياسية بالأحلام الوردية، وها هي تتحول إلى كوابيس بطعم السمّ، وتترحم على أيام افتح يا سمسم الجميلة.
أضف تعليقك

تعليقات  0