ما قل ودل: هل يخرج السيسي من عباءة حكم العسكر (3)


تناولت في مقالي المنشور يوم الأحد قبل الماضي، أن ترشح المشير السيسي لانتخابات الرئاسة قد خلق انقساما حتى بين محبيه ومريديه، فالذين يعارضون ترشحه من هؤلاء وأولئك يريدونه الرمز والبطل في موقعه الذي يحمي الثورة وأهدافها، والذين يؤيدون ترشحه يرون فيه الرئيس القوى الأمين في هذه المرحلة، وهناك فريق يراهن على أنه لن يستطيع الخروج من عباءة

الجيش، وأن انتخابه رئيسا للبلاد هو اختيار لحكم عسكري، وسوف يحول دون تحول ديمقراطي للبلاد، كما تناولت في مقالي الأحد الماضي، الخلفية العسكرية للرؤساء وتأثيرها، وضربت أمثلة لرؤساء ديمقراطيين، حتى النخاع منهم روزفلت وآيرنهاور وديغول، ومحمد نجيب وسوار الذهب.
وكانت هناك أمثلة أخرى لرؤساء لم تمنعهم خلفياتهم العسكرية من تحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة لشعوبهم، وإن لم يحققوا تحولا ديمقراطيا مذكوراً لهذه الشعوب، نذكر منهم.

أتاتورك (أبو الأتراك):

وكان مصطفى كمال ضابطا في الجيش التركي في فترة انهيار الدولة العثمانية واحتلال بعض أراضيها، فقاد حركة إنقاذ تركيا واستقلالها (1920-1922) وتمكن من طرد اليونان وحليفتها إنكلترا من آسيا الصغرى، واستطاعت تركيا بقيادته أن تستعيد تراقيا وتحرير أراضيها، وكان مصطفى كمال، قبل إعلان الحرب ضد اليونان، قد دان نظام السلطنة العثمانية ورفض سلطتها، وتولى رئاسة الوزراء في أول حكومة وطنية بعد زوال السلطنة العثمانية.

وعندما أعلنت الجمهورية التركية في 26 أكتوبر 1923، انتخب بعد شهور قليلة كأول رئيس لها، فقام بإلغاء الخلاقة، واستطاع تحديث تركيا والقيام بإصلاحات اقتصادية واجتماعية كبيرة جعلت الأتراك يلقبونه بأتاتورك، أي أبا الأتراك.

فرانكو

كانت إسبانيا في الثلاثينيات من القرن الماضي مسرحاً لصراعات سياسية حادة بين اليمين المتمسك بالملكية والمتحالف مع الكنيسة الكاثوليكية واليسار والقوة الديمقراطية الجمهورية.
وتمكن الجمهوريون من إعلان الجمهورية عام 1931م، حيث رحل عن البلاد الملك ألفونسو الثالث عشر، وجاء فرانكو الضباط العسكري إلى الحكم بعد أحد أشهر الحروب الأهلية التى شارك فيها، وهي الحرب الإسبانية التي استمرت من عام 1936 حتى عام 1939، حيث استطاع القوميون تحقيق نصر كبير، وأصبح فرانكو حاكماً مطلقاً.

ويذكر الشعب الإسباني لفرانكو أنه وحّد المقاطعات التي تنقسم إليها إسبانيا، وكانت كل مقاطعة تريد الاستقلال التام وأشهرها مقاطعتا كتالونيا والباسك، إلا أنه مارس عمليات من القمع والتعذيب لخصومه، وفرض الرقابة المشددة على الصحف، ومن بين ما يشاع عنه في إسبانيا أنه قتل جوسيب سوذيول رئيس نادي برشلونة، لأن فرانكو كان مشجعا لنادي ريال مدريد، إلا أنه قام أيضا بتعذيب وسجن رافائيل سانشيز رئيس ريال مدريد الذي هرب إلى فرنسا بعد خروجه من السجن، حيث انقطعت أخباره.

وأعلن فرانكو في عام 1969 أنه يرشح– بعد وفاته أو استقالته– خوان كارلوس حفيد الملك ألفونس الثالث عشر ملكا على إسبانيا، وقد استمر في الحكم من عام 1939 حتى وفاته عام 1975، لتعود الملكية، وليخلفه– وفقاً لوصيته- خوان كارلوس ملكا على إسبانيا.

جمال عبدالناصر

وكان الرئيس الراحل جمال عبدالناصر ضابطاً صغيراً عندما قام وبعض صغار ضباط الجيش بانقلاب عسكري على الحكم في مصر تحت قيادة اللواء محمد نجيب، الذي تصدر المشهد السياسي كله، بعد هذا الانقلاب، وقد أصبح الانقلاب ثورة عندما احتضنته جماهير الشعب.
وكان اسم عبدالناصر قد دوى في سمع العالم كله من ألفه إلى يائه، ومن شرقه إلى غربه خلال فترة من أعظم الفترات في تاريخ الأمم والشعوب، حفلت بحركة عدم الانحياز، وتحرير عدد من الشعوب والأمم، ورفع راية القومية العربية بين أمم الأرض قاطبة.
ولقد أنصفه الآخرون بما لم ننصفه نحن العرب والمصريين، فقد اختاره الصحافي الأميركي الكبير سالزبرغر في كتابة "آخر العمالقة" واحداً منهم في نفس الصف مع "تشرشل" و"روزفلت" و"ستالين" و"آيزنهاور" و"ديغول" و"ماوتسى تونغ" و"نهرو" و"تيتو" على أساس إدارته لحرب السويس على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، وعلى المستوى العسكري والسياسي والنفسي بكفاءة تستثير الإعجاب في ظروف شديدة التعقيد، وفي مواجهة توازن قوى متشابك وخطير.

ولكن السؤال المطروح هو:
لماذا أخفق الرئيس جمال عبدالناصر في تحقيق أحد أهداف ثورة 23 يوليو التي قامت من أجل تحقيقها وهو: إقامة حياة ديمقراطية سليمة؟ وهل يستطيع المشير السيسي أن ينجح فيما أخفق فيه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر؟
أعتقد أن الرئيس السيسي سوف يكون أوفر حظاً في تحقيق هذا الهدف، لاختلاف المناخ السياسي الآن عن عام 1952، إذا استطاع أن يحل المعادلة الصعبة في المشهد السياسي الراهن في مصر بعد 25 يناير 2011، وهي زوال حاجز الخوف بين المصريين من ناحية، وزوال هيبة القانون والدولة من ناحية أخرى، وذلك إذا أعاد للدولة والقانون هيبتهما، بآليات دستورية وقانونية وديمقراطية، دون أن يزرع الخوف في قلوب المصريين مرة أخرى.
وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.




أضف تعليقك

تعليقات  0