الدرس الروسي في اوكرانيا.. والانقلاب الطائفي



منذ عدة أسابيع كتبت حديثا بعنوان “الدرس الأوكراني” دعوت فيه إلى استلهام ما يحدث في تلك المنطقة من العالم والاستفادة من دروسها وعبرها.

وأعترف بأنني اندهشت لردود الفعل السلبية من بعض الرفاق، الذي بدا أن بعضهم منزعج لأنني شبهت الكرة الأرضية بالبطيخة، أو الدلاعة في الدارجة الجزائرية، في حين أنني أعرف أن كروية البطيخة لا تجعلها مثيلا للكرة الأرضية أو لكرة الملاعب الرياضية، لأن للمقارنات حدودا لا يمكن تجاوزها ولا تخطيها، لكنني أحسست بأن بعض الرفاق لم يدركوا خلفية حديثي فراحوا ينبشون في التاريخ الروسي الأوكراني المشترك، في غير ما حاجة لذلك.

بل إن أخا أبلغنا أنه فلسطيني قال بأن تحليلي بعيد عن الواقع، مضيفا بالقول: “اليوم رفع شعب شبه جزيرة القرم المسلم العلم الروسي و انزل العلم الأوكراني .. هل تعلم يا دكتور أن ثلثي أوكرانيا روس شعبا و جغرافية … كثيرون يرون أن ما حدث في اوكرانيا خسارة لبوتين .. سنرى في الأيام والأسابيع أن ما يحدث في أوكرانيا ليس خسارة .. يل إعادة تموضع روسي أقوى تجاه الغرب .. ما حدث في أوكرانيا فعلا انقلاب الأقلية الكاثوليكية ضد الأغلبية الروسية الأرثوذوكسية و المسلمة في شبه جزيرة القرم … اما ما حدث في مصر في 30 يونيو فهو تحرك هائل للشعب المصري رآه العالم كله.

وعلق رفيق آخر قائلا : تحليل الدكتور ينقصه ، للاسف، التقييم للأوضاع. ماذا بعد؟ كيف يمكن التعايش بين الأقليات، سواء الدينية، الكاثوليكية و الأرثوذكسية؟ ثم كيف يمكن إقناع الإقليم الشرقي الذي ساهم في انتخاب رئيس بانتخابات ديموقراطية شفافة، شهد لها الغرب نفسه بأنها كانت نزيهة، بانتخاب رئيس جديد، في الوقت الذي تنادي به أحزاب الاقليم الغربي بإلغاء اللغة الروسية و محو الهوية الروسية التي هي هوية الإقليم الشرقي؟ ثم ما يجب طرحه أيضا متى كانت قنابل المولوتوف و حجارة الطرق و الأرصفة و استعمال السلاح و العصي وسيلة من وسائل التعبير الديمقراطي؟ أغلبية المتظاهرين لم تكن مسالمة.

وقال أحد الرفاق : بالتأكيد لو كانت مثل هذه المظاهرات بأوروبا لتم قمعها بسرعة، وكأنني طالبت بأن تكون مدام تيموشنكو هي رائدة الربيع العربي الجديد.

وأخذ آخرون علي الاهتمام بأوكرانيا ونسيان ما يحدث في منطقتنا العربية، في حين أن هذه على وجه التحديد كانت خلفية مطالبتي بأخذ العبرة مما يحدث في أوكرانيا.

وأتذكر أنني قلت بأن استلهام الدروس والعبر لا يعني إطلاقا استنساخ تجارب الآخرين ونقلها حرفيا، والمطلوب هو دائما دراسة تجاربهم والتعرف على نقاط التوافق وعناصر التنافر واستقراء الواقع الجيوسياسي للمنطقتين محور المقارنة ، وكل هذا يعني الاستفادة من الإيجابيات ومن السلبيات على حد سواء. وليس هناك في نظري تحليل يزعم الكمال، وهنا تأتي ضرورة الحوار الموضوعي والنقاش البناء.

وقلت أيضا: لا أحد يمكن أن ينكر تناقض مواقف بوتين من أحداث أوكرانيا وأحداث مصر، ,إذا سلمنا بان ما حدث في “كييف” هو انقلاب فلا يمكن أن ننكر أن نفس الشيئ حدث في مصر، وهذا من الدروس التي تكشف النفاق الروسي.

والقول بالأصول التاريخية الروسية لأوكرانيا لتبرير ما حدث هو أمر رهيب دفعنا جميعا ثمنه إثر ادعاء صدام حسين بحقوق تاريخية له في الكويت، وما زالت الصومال تعاني منه إثر مطالبتها بالأوغادين.

وقضية اللغة قضية بالغة الأهمية، لأن وجود أكثر من لغة في أي بلد يهدد وحدة البلد، وبلجيكا أكبر دليل على ذلك، وواضح من التطورات أن الأقليات روسية الأصل أصبحت في أوكرانيا أقرب لحصان طروادة.

ويأتي استفتاء القرم بالأمس ليعطينا درسا آخرا يمكن الاستفادة منه لحل القضية المزمنة في منطقة المغرب العربي، حيث تشكل مشكلة الصحراء الغربية جرحا نازفا لكل دول المنطقة، وفي المقدمة المغرب الشقيق.

ببساطة شديدة، هناك قوم يعيشون في منطقة ما، يرى بلد مجاور أنهم جزء منه ويرى بلد أخر أنها يتطلعون للالتحاق به، وكان الحل الذي لا يمكن أن يرفضه عاقل هو استشارة السكان المعنيين، وهو ما حدث في شبه جزيرة القرم، وانتهت المشكلة في أقل من 48 ساعة.

طبعا هناك اختلافات كثيرة بين منطقة القرم ومنطقة الصحراء الغربية، ولكن نقطة التوافق الرئيسية هي وجود إرادة أغلبية شعبية معتبرة يجب أن يكون لها احترامها.

وبالنسبة لمنطقة الصحراء الغربية يقول الأشقاء في المغرب أن الأغلبية السكانية تؤمن بمغربيتها، وأن الساعين إلى الانفصال من “مرتزقة الجزائر” هم أقلية لا وزن لها.

الحل واضح إذن، وهو إجراء استفتاء تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة تنتهي به الأزمة وتضم الصحراء الغربية إلى المغرب تماما كما ضمت القرم إلى الاتحاد الروسي، ويا دار ما دخلك شر.

ويبقى أن الأشقاء في المغرب يعرضون فكرة الحكم الذاتي للصحراء الغربية، وهو حل شجاع كما سبق أن أسلفت، وفعاليته السياسية هو أن يكون تعبيرا عن إرادة السكان، وهو ما لا يستبعد الاستفتاء الشعبي، بل يجعل من اقتراح الحكم الذاتي واحدا من ثلاثة اقتراحات مطروحة، الحكم الذاتي، والانضمام الكامل للمغرب أو الاستقلال.

هذا هو الطريق الذي ترسمه تجربة القرم، بغض النظر عن التناقضات الروسية الأمريكية، وهي غير موجودة في منطقتنا لحسن الحظ.

فمن يضع الجرس في رقبة القط ؟
أضف تعليقك

تعليقات  0