تراجع لا مراوحة


لم يعد الحديث عن التراجع الذي يعانيه البلد ثقافياً وصحياً وتعليمياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وسكانياً وإسكانياً، حديثاً مجدياً.

فالناس يعلمون أن العلة تكمن في أن البلد يقصي الكفء ويوسد الأمر لغير أهله من المعارف والأقارب أو حتى من بعض أبناء الأسرة الحاكمة بعيداً عن المؤهل والمصلحة العامة، والناس يتناقلون في أحاديثهم أخبار بعض مجاميع من قراصنة المال العام بتحالفاتهم المخيفة التي تنهش بثروات البلد وبكياناته ليلا ونهاراً. والناس يدركون أن الحكومة ربما صارت أحياناً معبراً لتمرير مصالح ومشاريع خاصة أو تفريخ مؤسسات تنفيعية لتبرير هدر أموال الشعب، والناس أحبطوا من الخطب الرنانة وخطط الإنشاء وهم يلمسون ما آلت إليه الحال من خواء.

أليست الكويت هي ذاتها البلد الذي كان سكانه قبل 15 سنة أقل من مليوني شخص، صار اليوم عددهم يزيد على 3.4 ملايين، وتم تعمير آلاف المباني والبنايات، وتم افتتاح أسواق ومعارض ومجمعات ومدن جديدة، وتمت زيادة حركة الزيارات التجارية وزادت نسبة إشغال غرف الفنادق والشقق الفندقية وما يماثلها، وتمت زيادة نسبة البناء السكني وتمت ايضا زيادة شاغلي الوظائف الحكومية والخاصة من غير الكويتيين بنسبة %250، وتضاعفت أعداد السيارات التي في الشوارع.

كل ذلك تم والبنية التحتية بشبكات الصرف وشبكات الطرق ومحطات توليد الطاقة والماء والمدارس والمستشفيات تكاد تكون نفسها، ولم تزد أو تتطور لمواكبة ذلك النمو الهائل، ومع ذلك لم نسمع أن الحكومة أوقفت تراخيص البناء أو استقدام العمالة أو استيراد السيارات أو غيرها، لكون البلد غير مؤهل ببنيته التحتية لمثل هذا النمو المستمر.

لكن نسمع عجزاً في البنية التحتية إذا كان الأمر يتعلق بقرار معالجة حاجات الناس الملحة، مثل اقامة مدن سكنية، ونسمع عويلا سياسياً عندما يطالب الناس بمستشفيات جديدة، ونرى منظرا مؤلما حينما نتحدث عن خلق وظائف جديدة للكويتيين، وتظهر عجوزات في الميزانية إذا كان ذلك لمشاريع للشعب، ومسلسل من التبريرات المضحكة.

إن البلد بحاجة الى فريق من أبنائه يضع الأمور في مسارها الصحيح حتى لو تطلب الأمر القيام بأعمال ينبغي أن تتولاها الحكومة أو مهام مطلوبة من مجلس الأمة أو مؤسسات وأجهزة محددة، فقد صار التواجد في معظم هذه المناصب للوجاهة وتحقيق المجد الخاص وربما ترتيب المصالح الفاسدة، والا ما هو تفسيرنا للتراجع المستمر بأحوال البلد، سوى أن أغلب من يخطط ومن يشرع ومن ينفذ بالتأكيد مشغول بمشروع لا صلة له بالبلد، فهل يمكن أن يتداعى فريق من أبنائه للقيام بما عجز أو تعمد أن يعجز عن القيام به أولئك النفر؟

اللهم اني بلغت.



أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0