الأمل والعمل



الحياة عظيمة، ولا تكون كذلك إلا إذا توافر فيها العظماء من الرجال، فقد كان نابليون بونابرت، وهو يقاسي في موسكو مرارة الهزيمة والشتات والضياع وقسوة الثلوج في روسيا، كان يفكر ويخطط لتنوير شوارع باريس، وهذه الحالة باختصار خير تفسير لعزيمة الرجال التي لا تكل ولا تمل من العمل، والبناء والتطلع إلى

المستقبل في أحلك الظروف، وكذلك كان قبله بمئات السنين، معلم البشرية فقد كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يعد أصحابه بالمستقبل الزاهر، وهم يحفرون الخندق دفاعاً عن المدينة المنورة، لا من أجل دغدغة مشاعرهم، بل ليواصلوا العمل، وليزرع في نفوسهم الأمل، لأن الأمل هو بوابة الدخول السليمة لهذه الحياة .

إن العمل في حفر الخندق هو بوابة الدخول للمدائن، والسيطرة على بلاد الشام،والتوجه إلى مصر، فبعد الخندق بدأ المد بالتحرك، كمعاهدة صلح الحديبية وفتح خيبر وفتح مكة وفتح الطائف، ومن بعدها توافدت قبائل العرب للإسلام فيما عُرِف بالتاريخ الإسلامي بعام الوفود .

فلو تدبرنا بهذا الواقع الذي نعيشه أدركنا بأننا نعاني هذه الأيام كعرب وكمسلمين من ضعف الإرادة الشاملة، ضعف الإرادة السياسية التي لم تحقق الانسجام بين الحكومات والشعوب، وهذه الثورات الحاصلة هذه الأيام خير مثال، وكذلك نعاني من ضعف الإرادة الدينية المتعلقة بأهواء القادة السياسيين وانقياد بعض العلماء

لها ولمصالحهم الآنية، وضعف الإرادة الثقافية والاجتماعية التي لم يكن لهما أي دور يذكر في هذا الطوفان الجارف، وكل ما أخشاه في ظل هذه الثورات أن يكون هؤلاء الشباب الذين في الميادين العامة هم الأغيْلمة الذين عليهم هلاك هذه الأمة، فهذا الضعف العام أوجد لدينا كعرب وكمسلمين العديد من مشاريع التخبط، لعل أوضحها عدم تحديد العدو . فالإسلاميون لهم أعداؤهم، والقوميون لهم أعداؤهم، والليبراليون لهم أعداؤهم،وحتى الشباب العابث بمصائر الدول والأنظمة لهم
أعداؤهم كذلك، فصار كل من هب ودب له عدوه الخاص . ثم هناك ضعف آخر، وهو ضعف الأداء، فالكل منا يُنظّر دون أي عمل ملموس على أرض الواقع .

وهذا التنظير المقرون بعدم العمل ما هو إلا ترف فكري ورفاهية ثقافية نمارسها في ساعات الفراغ . غير أنه يحدوننا الأمل في أن تكون ذات يوم حجرًا – أيّا كان موقع هذا الحجر – بأن يكون هذا التنظير أو ذاك لبنة لبناء مشروع عربي متكامل ينتشل هذه الأمة من سباتها العميق، ومن الشتات المرير الذي تمر به هذه المنطقة .
أضف تعليقك

تعليقات  0