ما قل ودل: تحقيق الحكم الديمقراطي في مصر مسؤولية من؟


في مقالين متتالين يوم الأحد من الأسبوعين الماضيين، تحت عنوان "هل يستطيع السيسي أن ينجح فيما أخفق فيه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر؟"،

وقد عنيت في ذلك تحقيق الحكم الديمقراطي، انتهيت فيهما إلى أن الظروف الدولية التي قامت فيها الثورتان، ظروف مختلفة، من ناحية التدخل الدولي الآن تحت شعار حقوق الإنسان لمتابعة خارطة الطريق،

وهو ما يعيه أي مرشح محتمل للرئاسة، وأنه لم يعد وارداً بعد ثورة 25 يناير، وزوال حاجز الخوف لدى جماهير الشعب المصري بعد ثورة 25 يناير، إقصاء أحد أو عزل بعض فئات الشعب من ممارسة العمل السياسي، كما حدث بعد ثورة 23 يوليو 1952، ومن ثم فإن إجابتي السريعة المقتضبة عن هذا السؤال، تظل على ما هي عليه في مقال الأحد 9 مارس،

نعم يستطيع السيسي أن يحقق ما لم يحققه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في إقامة حكم ديمقراطي، إذا استطاع أن يحل المعادلة الصعبة في المشهد السياسي الراهن في مصر بعد 25 يناير، إذا أعاد للدولة والقانون هيبتهما بآليات دستورية وقانونية وديمقراطية دون أن يزرع الخوف في قلوب المصريين مرة أخرى.

مسؤولية المجتمع كله ولكني أعترف أن الأمر في حل المعادلة السابقة ليس بيد الرئيس وحده، إنها مسؤولية المجتمع بأسره، مسؤولية المؤسسة التشريعية التي سوف يناط بها فور الانتخابات البرلمانية القادمة، تعديل الدستور، لإصلاح ما فيه من عوارـ نبهت إلى بعضه في كتاب الخطايا العشر في دستور العصر، والذي تناولت فيه خطايا دستور 2012،

والتي ورثها عنه دستور 2014، ومسؤولية السلطة التشريعية في إصدار التشريعات المكلمة للدستور، والتي أرجو أن تبرأ من عوار قانون الانتخابات الرئاسية الذي حصن قرارات لجنة الانتخابات الرئاسية من رقابة القضاء.

إنها مسؤولية المؤسسة القضائية في ألا يجرها إرضاء النظام الحاكم إلى إعادة زرع الخوف في قلوب المصريين.

الحكم بإعدام 528 متهماً وقد أثار الحكم الذي أصدرته محكمة جنايات المنيا في مصر يوم 24 مارس بإحالة أوراق 511 متهماً ينتمون إلى جماعة الإخوان إلى فضيلة المفتي الهلع والفزع في قلوب الكافة، فمن المعلوم أن هذه الإحالة،

تعني أن أحكاما بإعدام 511 متهماً في طريقها إلى الصدور، يوم 28 أبريل وهو اليوم الذي حددته المحكمة للنطق بالحكم،

بعد ورود رأي المفتي، والغريب أن المحكمة لم تتداول في القضية إلا لمدة يومين، وكانت النيابة العامة قد أحالت المتهمين إلى المحاكمة، منهم 159 محبوساً، وذلك لقيامهم عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة بارتكاب أعمال عنف واشتباكات أسفرت عن مقتل 84 بينهم 18 من ضباط الشرطة وأفرادها، وإحراق،

واقتحام، وسرقة أسلحة، وتهريب المسجونين من 7 مراكز شرطة، وإحراق العشرات من الكنائس والمدارس والمباني الخاصة بالنيابة والمحاكم، ومتحف ملوى والمنشآت الحكومية. كما أصدرت المحكمة ذاتها في اليوم التالي قرارات بحجز قضية أخرى للنطق بالحكم لجلسة 28 أبريل،

والمتهم فيها 683 من جماعة الإخوان، بينهم د. محمد بديع المرشد العام للجماعة، وهم متهمون بارتكاب أعمال عنف بمركز العدوة، بعد محاكمة قصيرة استمعت فيها المحكمة إلى أقوال شهود الإثبات من الضباط وأفراد الشرطة، وسط غياب كامل للدفاع عن المتهمين الحاضرين وعددهم 74 متهماً، حيث قاطعت هيئة الدفاع المحاكمة، بعد قرار المحكمة في اليوم السابق، بإحالة 511 متهماً إلى فضيلة المفتي.

لا قداسة لأحكام القضاء ولكن: لست مع من يخلعون على الأحكام القضائية قداسة ليست لها، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو يتولى ولاية القضاء "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، ولعل أحدكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له بحق أخيه، فمن قضيت له بحق أخيه، فقد أقطعته جمرة من نار فلا يأخذها".

هذا هو سيد الخلق الذي لا ينطق عن الهوى عندما يشرع للناس في أمور دينهم ودنياهم، يقول عن قضائه إنه يخطئ فيه ويصيب، فلا يجوز أن نخلع على أحكام يصدرها قضاة من البشر عصمة لم يعصم النبي نفسه منها، فنسدل ستار الصمت على أحكامهم، أصابت أو أخطأت، في الوقت الذي يعتبر فيه الدستور علانية الجلسات من الضمانات الأساسية للمحاكمة، وهي ضمانة لم تشرع عبثاً،

إنما شرعت لإخضاع هذه الأحكام لرقابة الشعب، حتى في الأحوال التي تقرر فيها المحاكم عقد جلساتها سرية مراعاة للآداب العامة، فإن النطق بالحكم يكون في جلسة علنية، ليخضع الحكم بدوره لرقابة الشعب، لأن السلطة القضائية شأنها شأن أي سلطة أخرى لا يجوز أن تكون أعمالها بمنجاة من رقابة الأمة مصدر

السلطات جميعاً. الهاجس الأكبر هو أن نعود إلى زرع الخوف مرة أخرى في قلوب المصريين، بأحكام قضائية ممعنة في القسوة، تفتقد ضمانات المحاكمة العادلة المنصفة.

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.
أضف تعليقك

تعليقات  0