من هو العربي؟


من مفارقات العرب العجيبة أنهم لا يملكون شيئا يفخرون به حقيقة على العالمين غير اللغة العربية، وفي الوقت نفسه، فإن جل من خدموا اللغة العربية واشتغلوا بعلومها وبيان تفصيلها وألفوا أشهر الكتب فيها وخلد لهم التاريخ أعمالا قيمة ما زالت مراجع لنا حتى اليوم في اللغة والنحو، هم من أصول غير عربية ومع ذلك يرى العرب أنهم شعب الله المختار رغم أنهم كسالى حتى في لغتهم التي ميزتهم، فأوكلوا مهمة الحفاظ عليها والإبداع فيها للأعاجم شرقا وغربا، كما هو حالهم حتى اليوم في كل أمور حياتهم، عدا أمرا واحدا.. أو ربما اثنين فقط.

تعالوا نستعرض معا بعض الأسماء لأشهر علماء اللغة العربية وفرسانها لنرى أصولهم ودورهم في خدمة لغتنا، أبدؤها بمسح سريع لأسماء مؤلفي أشهر القواميس والمعاجم العربية.

فلديكم القاموس المحيط، صاحبه هو الفيروز آبادي، شيرازي من فارس، ويعد من كبار علماء اللغة العربية، وكتابه هذا هو المعجم الذي بلغ صيته الآفاق، فانتشر في كل مكان وعلى كل لسان، بل اعتبر بمنزلة الإمامة بين المعاجم بغزارته وسعته.

وهناك مقاييس اللغة، وهو معجم لغوي عظيم، ومؤلفه أحمد ابن فارس القزويني من بلاد فارس، من كبار علماء اللغة العربية والسابرين لأغوارها. وله الكثير من المؤلفات القيمة إلى جانب مقاييس اللغة الذي يأتي على رأسها.

والعباب الزاخر، ألفه حسن بن محمد الصغاني، وهو هندي من لاهور، وكتابه هذا من نوادر معاجم اللغة العربية بأسلوبه المتفرد في التحقيق والتوثيق وتتبع المصادر وصحتها.

أما الصحاح في اللغة، وهو من أهم ما كتب في اللغة، والذي اشتهر بدقة نظامه وبساطته في الوقت نفسه، فصاحبه هو إسماعيل بن حماد الجوهري، فارابي من تركيا، قال عنه اللغوي أبو منصور الثعالبي: «الجوهري من أعاجيب الدنيا، وإمام في علم لغة العرب، وخطه يضرب به المثل في الحسن...».

ولا أظن أن هناك من لم يذكر اسم سيبويه على لسانه ولو من باب المزاح عند تطرق أحدهم إلى فذلكات في اللغة والنحو. فهل تعلمون أن سيبويه، ذلك الشاب الأبيض الجميل واسمه الحقيقي عمرو بن عثمان بن قنبر كان فارسي الأصل من شيراز؟ لكن أصله لم يمنعه من أن يصبح إمام النحاة وحجة العرب وأول من بسط علم النحو.

ومن لا يعرف ابن جني، فهو أبو الفتح عثمان بن جني، من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف، ويعد أول من قام بشرح أشعار ديوان المتنبي، وأهم مؤلفاته كتاب الخصائص، أبوه كان عبدا روميا مملوكا لسليمان الأزدي الموصلي.

أما إذا التفتنا لأبرز علماء ورموز الحديث والسنة، الإمام البخاري، صاحب كتاب الجامع الصحيح وهو أوثق الكتب الستة الصحاح والذي أجمع علماء أهل السنة والجماعة أنه أصح الكتب بعد القرآن الكريم، لوجدنا أيضا أنه من أصل غير عربي، فهو من بخارى في إقليم خراسان (أوزبكستان حاليا).

هذه أمثلة فقط، وغيرهم الكثير بل الكثير جدا مما لا يسع المجال للإحاطة بهم، خدموا اللغة العربية وعلومها لأنهم آمنوا بأهميتها في حياة المسلم عربيا كان أم أعجميا، فكانت أعمالهم روافد سخية أثرت الثقافة العربية والإسلامية حتى يومنا هذا.

ولعل هذا بل أجزم أنه كان السبب في ازدهار لغتنا تلك العصور، حين احتضنت أهل العلم والفكر والأدب من كل الأوطان والجنسيات واستزادت من علمهم، فكان عطاؤهم لها بلا حدود ولا قيود.

وكما قال العالم والداعية الدكتور عصام البشير: فالعروبة ليست دما ولا جنسا ولا عرقا، العروبة هي اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي، أيا كان مبدؤه ومنطلقه وجنسه.

أضف تعليقك

تعليقات  0