«منا التشريع ومنكم البليع»!


أخطر ما في التعديلات المقترحة على نظام الـBOT تفويض اللجنة العليا المشرفة على هذه المشاريع تجديد العقود وفق المنظور الخاص لأصحاب النفوذ، وبدون إعادة طرح هذه المشاريع للمنافسة من جديد أو وضع معايير حديثة لطرق استثمارها والفؤائد المتوقعة لها للدولة.

مشاريع البناء والتشغيل والتحويل أو المعروفة بنظام الـBOT يفترض أن تكون عصب التنمية وإشراك القطاع الخاص في تطوير مرافق الدولة وخدمة المجتمع وتخفيف العبء عن كامل الحكومة؛ حتى تتفرغ لإدارة شؤون البلد وقضاياه الرئيسة، وتعتبر الكويت من أولى الدول التي عملت بهذا النظام منذ الاستقلال، الأمر الذي يعني أن القطاع الخاص حظي باهتمام ورعاية وتسهيلات لا حدود لها، حيث ابتلع أراضي الدولة في مناطق استراتيجية وحيوية على مدى نصف قرن بالمجان تقريباً، وفق معيار الحظوة والصفقات السياسية، فتحولت هذه المرافق إلى ممتلكات خاصة واستثمارات فردية لم تنتفع منها مشاريع التنمية، ولم تساهم في توظيف العمالة الوطنية، ولم تدر على الميزانية العامة للدولة أي مبالغ سوى الإيجارات الرمزية التي لا تتعدى ربع دينار للمتر المربع، وهذا بعد زيادة الرسوم التي كانت 100 فلس فقط لا غير!

اليوم تتم مراجعة قانون الـBOT في مجلس الأمة لإدخال تعديلات خطيرة عليه، ومن أهمها منح صك الملكية على طبق من ذهب وبقوة القانون لمن استغل أراضي الدولة وعماراتها على مدى عقود من الزمن!

 ولقد لجأ أصحاب النفوذ إلى أعضاء اللجنة المالية وعموم النواب لتمرير هذه الصفقة بعدما رفض القضاء الكويتي طلب إعادة التجديد التلقائي لهم لمدة خمسين سنة أخرى، وأخطر ما في التعديلات المقترحة تفويض اللجنة العليا المشرفة على هذه المشاريع تجديد العقود وفق منظورهم الخاص، وبدون إعادة طرح هذه المشاريع للمنافسة من جديد أو وضع معايير حديثة لطرق استثمارها والفؤائد المتوقعة لها للدولة.

هذا النوع من الفساد التشريعي ومخطط بيع البلد وثرواته يجب التصدي له بحزم، فالمجلس الحالي يبدو أنه استشعر أن الناس قد أهملوه، إذ لم يعد له طعم أو رائحة، فاغتنم الفرصة ليلعب بمقدرات الدولة كيفما يشاء، ومن صور التضليل الإعلامي والضحك على الذقون أن بعض النواب يبرر أن لمشاريع الـ"بي أو تي" انعكاسات إيجابية على التنمية، وهذا الكلام قد يقبل في حالة كون المشاريع المعنية لها علاقة مباشرة بالتعليم العام أو الجامعي أو المستشفيات والمصحات العلاجية أو الرعاية الاجتماعية للمعاقين وكبار السن أو مراكز تأهيل الشباب وتدريبهم، وليس عبر عمارات تؤجر بربع دينار للمتر ويعاد تأجيرها بعشرين ضعفاً للمحلات التجارية والمطاعم، وهذه ليست سوى تنمية الجيوب والكروش!

الحكومة تقف بشجاعة عنترية لمواجهة علاوة الأولاد وتعلن انتهاء "دولة الرفاه" بحجة تنامي الميزانية العامة للدولة وتهديدها بالإفلاس، ولكن عندما يصل الأمر إلى كبار التجار والمتنفذين تصاب بالصم والعمى والخرس، فهل تدرك حكومتنا أن سعر المتر الواحد في أبعد منطقة حضرية تجاوز الألف دينار؟ فما بالك بالمناطق النموذجية في قلب العاصمة التجارية وإمكانية استغلالها كإيرادات مالية للدولة؟
إذا كان الرئيس السابق أحمد السعدون قد أطلق على مشاريع

الـBOT عبارة "بوق ولا تخاف" قبل سنوات فإن بعض نوابنا الحاليين سوف يطلقون على قانونهم الجديد "دع لنا التشريع وتمتع بالبلع"!
أضف تعليقك

تعليقات  0