مشاريع «بي أو تي» وعجز الموازنة العامة


ذكرنا مراراً أن الأولويات والتوجهات المنحازة إلى المالية العامة للدولة هي التي ستؤدي إلى العجز المالي المحتمل، وليس رواتب صغار الموظفين أو تحسين مستوى معيشة المواطنين كما تدعي الحكومة، ومن تستعين بهم من المنظمات الدولية.

كيف يُمكن أن تصدّق الناس أن الحكومة جادة عندما تتحدث عن ضرورة تنمية الإيرادات غير النفطية في الوقت الذي تقوم فيه بمنح أملاك الدولة وأراضيها عن طريق مشاريع "البي أو تي" لكبار المتنفذين بأبخس الأثمان، تحت شعارات ودعاوى "مشاركة القطاع الخاص في التنمية وتشجيع المبادرات"؟ مشاريع "البناء والتشغيل والتحويل" أو "بي أو تي"، كما ذكرنا سابقا، هي مشاريع ضخمة تتعلق أساسا بالبنى التحتية للدولة (طرق سريعة، محطات ضخمة لتوليد الكهرباء، سكك حديدية،

مدن إسكانية، مستشفيات، جامعات، مدارس ومدن ترفيهية ضخمة... إلخ). تعجز الحكومة عن تنفيذها لأسباب مادية في الغالب فتقوم بتشجيع القطاع الخاص لاستثمارها لمدة زمنية محددة وضمن شروط تحفظ حقوق الدولة القانونية والمالية (مشاركة في الأرباح وتوفير فرص عمل واكتتاب عام للمواطنين)، على أن يقوم القطاع الخاص بعد انتهاء المدة الزمنية بتحويل المشروع كاملا للحكومة، فهل هذا ما يحصل في الكويت؟ الجواب بالنفي، فالحاصل أن أراضي الدولة وأملاكها مُنحت وتُمنح لعدد محدود من المستثمرين لإقامة مشاريع يتعلق أغلبها بتقديم خدمات استهلاكية سريعة الربح (مطاعم وجبات سريعة ومجمعات تجارية أوما شابه) وبشروط مجحفة للمال العام، وبعضها الآخر فُصل على مقاس بعض كبار المتنفذين من دون مزاد علني بالمخالفة لنص القانون رقم (7/ 2008) الخاص بتنظيم عمليات البناء والتشغيل والتحويل وما شابهها.

وعلى ما يبدو فإن هدر المال العام الذي حصل قبل إقرار القانون الجديد ليس كافيا، بل وكأن سياسة "تنمية الإيرادات غير النفطية" التي تتحدث عنها الحكومة بكثرة في الآونة الأخيرة لا تتم إلا عن طريق جيوب المواطنين بفرض ضرائب غير

مبُاشرة، ورسوم جديدة أو زيادة الرسوم الحالية على الخدمات والسلع الأساسية! فها هي الحكومة تتقدم بتعديلات على قانون "البي أو تي" رقم (7/ 2008) تخالف توصيات ديوان المحاسبة وسيترتب عليها هدر جديد للمال العام، وتعديلات أخرى على القانون رقم (105/ 1980) بحيث يحق لمجلس الوزراء تجديد عقود "بي أو تي" أو "حق الانتفاع" القائمة لمدد مماثلة لمددها الحالية (مددها طويلة جدا، أكثر من 25 عاما، وتوشك الآن على الانتهاء، وهي مشاريع خاصة في مواقع

حيوية على الساحل البحري، وكانت ممنوحة بشكل مباشر تقريبا لعدد محدود من المستثمرين قبل عشرات السنين، وبأسعار متدنية للغاية، ويفترض تُحوّل ملكيتها للحكومة بعد انقضاء مدة العقد). التعديلات الحكومية الجديدة معناها هدر جديد للمال العام وتهرب واضح من تطبيق القانون الجديد (7/ 2008) الذي يشترط، ضمن أمور أخرى كثيرة، تحويل ملكية

مشاريع "بي أو تي" أو ما شابهها للحكومة بعد انتهاء مدة العقد، بحيث يجب عليها، أي الحكومة، إن أرادت طرح المشروع من جديد للقطاع الخاص، أن يكون ذلك عن طريق مزاد علني، وضمن شروط تحافظ على المال العام، وتسمح للمواطنين بالاكتتاب العام.
أضف تعليقك

تعليقات  0