الهريس العربي: مصر حالة دراسية


الشيء الوحيد الذي يحمل معنى حقيقياً للربيع العربي هو بدايته وأول انطلاقته، اما ما تلى ذلك من تطورات فهي أقرب لتوصيف عبدالحسين عبدالرضا بـ «الهريس العربي».

أما الثورة والربيع بمعنى الانقلاب على النظام المركزي الديكتاتوري فهو خيال وحلم مازال يهيم به المواطن العربي حبا وغزلا وعشقا، اما الواقع فلا شيء سوى البلطجية والدينار والبترول! مصر كونها الكبرى والدولة الرمزية، انطلقت إلى ربيعها بعفوية، بل بعفوية زائدة بحيث ترك الثوار أمرهم لواقع الصدفة. هذا الواقع الذي كان ينتظره الخبثاء لاصطياد الفريسة. وبالفعل استطاع أولاً الاخوان أن ينقضوا ويقبضوا على مفاصل الحكم والسلطة. لكنهم وبواقع قلة خبرتهم بشؤون الحكم وأهمية التصالح مع الناس لا ضربهم «بالجزمة» وبعرض الجدار، سُلب الحكم منهم وأُخذت السلطة بسرعة وأُعيدت لسابق عهدها مع بعض «الميك أب».

مصر عاشت أياماً قليلة من الثورة وذاق شعبها النزر اليسير من طعم الديموقراطية. لكنها اليوم بالتأكيد عادت من جديد لتعيش الحقبة المباركية بتفاصيلها بلا شك. كل ما في الامر أن الهويات تغيرت، أما الواقع فيقول إن العسكر عادوا بسلطتهم وسطوتهم كما كانوا، وعاد عدوهم اللدود الاخوان إلى مواقعهم تحت الأرض.

مصر السابقة والجديدة لم تتغير، فالتخويف لم يتوقف فحسب، بل صار مبالغا فيه بعض الشيء لزوم استكمال عملية الانقلاب الكاملة على الثورة بحجة القضاء على الاخوان. فالسلطة الحاكمة الجديدة تسمي نفسها سلطة وتحلل على نفسها الحكم مع أنها لم تأت بغالبية الشعب المصري. وقوات الأمن أصبحت لا تمارس دورها التقليدي والسابق في قمع الناس وضربهم بالجزمة بحجة أنهم جميعا أخوان فحسب، بل سوّق الاعلام أن الناس يقعون على قدمي السيسي ليخلصهم مما هم فيه. ولكي يكتمل مسلسل «حدوتة مصرية»، كل شيء سببه الاخوان المكروهون، فتفجيرات النهضة وسيناء بل وحتى الفتنة بين القبائل في أسوان كله سببه الاخوان. والقضاء أكمل الدورة والخطة فصار يُصدر أحكامه بالاعدام للمئات دفعة واحدة، كما أن قضاء الدولة «الديموقراطية الجديدة» يمارس بشكل طبيعي قمع الحريات وإسكات صوت الاعلام والصحافيين بحجة أنهم محسوبون على «الجزيرة»!

فالممارسات هي هي، سجون وضرب وقمع للحريات وفرض أمر واقع على الناس والحكم لمجرد الشك ومحاسبة النوايا، كلها هي وبنفسها لم تتغير لكن كانت سابقا باسم الحقبة المباركية فأصبحت باسم الاخوانية، ثم عادت الآن إلى ما بعد المباركية! فماذا تتوقعون من ديموقراطية العرب؟!


hasabba@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0