رسالة للوطن


أكتب إليك يا وطني الكويت رسالة حب واعتذار ومواساة وأمل. أما الحب، فهو حق لك علينا، فقد عشنا في ربوعك محاطين بحنوك من دون أن يكون لدينا تزلف للسلطة أو رهبة منها، وهو ما حفظ لنا كرامتنا وزادنا اعتزازاً بأنفسنا، ومنحنا بحبوحة من الحرية السياسية، فتأكد بفضلها أننا شركاء في إدارة البلد بديموقراطية حقة، على الرغم من أنها ليست كاملة، ولكن لا يستهان بمزاياها، وتحققت لنا بوارفك نعمة في التواصل الاجتماعي، فمنبعه تلاقي أصالة الإسلام مع عراقة قيم العروبة في بوتقتك يا وطن. وفيك أفاء الله علينا بعيش راغد فياض، وأمان راسخ لا يستعاض.

وأما الاعتذار، فهو عن غربتك بين بعض أبنائك، ممن ينهشون فيك باسم العضوية البرلمانية، التي هي في حقيقتها سبيلهم للابتزاز السياسي لتتضخم حساباتهم، فأدوات المساءلة السياسية صارت غايتها ضربك وهدم مؤسساتك وتدمير مشاريعك والجادين من أبنائك في صراعهم لتحقيق مصالحهم، وأؤلئك الذين يتاجرون بالوطنية، وفسادهم أزكم أجواءك الزكية بتشريعاتهم الارتجالية ورقابتهم المنحرفة ووطنيتهم الزائفة وطائفيتهم المقيتة أو قبليتهم المريضة أو فئويتهم المتعالية. ومن بعض تجار لم يحافظوا على تاريخهم، وطارؤون أمثالهم، فجميعهم يبيعونك كل يوم في أقرب سوق وفي أول مزايدة، ولا يضعون من حر أموالهم ما ينميك ويطورك، حتى صارت مؤسساتك عرضة لتملك الأجانب، حتى في مشروعاتك الحيوية، فتباً لهم جميعاً لعقوقهم لك.

أما المواساة، فهي لعدم مصداقية شعارات الإصلاح، التي تتزين فيها خطابات الحكومة والسياسيين أحياناً كثيرة، فبعد أكثر من ربع قرن تقريباً من فرحة التحرير وحتى اليوم ومشكلات الوطن من سيئ إلى أسوأ، فالتركيبة السكانية لحقها خلل أبلغ مما كانت عليه، وهي برهان على تلاشي شعار الإصلاح، والبطالة الفعلية صارت واقعاً بنسب عالية، والبنية التحتية تآكلت وتنذر بانهيارات مريعة فيها، والرعاية الصحية صارت هماً للمريض وأهله، والتعليم صار سبيلاً لتوزيع الشهادات بلا علم، بل المعلمون في التعليم العام والجامعي صاروا عالة عليه وثغرة فيه، علماً بأن طبقة السياسيين من الوزراء والأعضاء السابقين والحاليين أعدادهم بالمئات، ولكن معظمهم لم يكن حاملاً همك يا وطني، ولم تكن له مصداقية معك.

ويبقى أن الأمل بالله حبله متين لا ينقطع، فكلما زادت ظلمة الليل في أرجائك زاد يقيني بقرب بزوغ فجر جيل من أبنائك، يؤمن بحبه الحقيقي لك، كما كان الآباء والأجداد يعطون بلا مقابل أو فواتير تسدد على حسابك، فأنت بلد ولاد للرجال، والقلة منهم اليوم تعيش معك في وحشة غربتك، ولكنها مفعمة بالأمل في أن المستقبل سيعيد البهجة على محياك الذي فقدها منذ أكثر من 3 عقود.

اللهم إني بلغت.



أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0