من الدكتور جيفاغو إلى رأفت الهجان


عشنا منذ نحو عقدين من الزمان ملحمة رائعة قدمتها التلفزة المصرية عبر مسلسل مطول حمل اسم “رأفت الهجان”.

ورأفت الهجان هو، كما قدمه المسلسل، الاسم الحركي للمواطن المصري رفعت علي سليمان الجمال، الذي أرسلته المخابرات العامة المصرية إلى إسرائيل في إطار خطة في منتصف الخمسينيات، وتمكن من إقامة مصالح تجارية واسعة وناجحة في تل أبيب وأصبح شخصية بارزة في المجتمع الإسرائيلي.

وكان مضمون المسلسل أن الهجان قام ولسنوات طويلة بالتجسس وإمداد جهاز المخابرات المصري بمعلومات مهمة تحت ستار شركة سياحية داخل إسرائيل حيث زود بلاده بمعلومات خطيرة منها موعد حرب يونيو لسنة 1967 وكان له دور فعال في الإعداد لحرب أكتوبر سنة 1973 بعد أن زود مصر بتفاصيل عن خط بارليف.

كان المسلسل رائعا، بدءا بالمقدمة الموسيقية التي أبدعها الراحل عمار الشريعي، وكانت حبكة السيناريو متميزة والحوار دسما وإيقاع الأحداث نشطا، وتحققت مصداقية هائلة للمسلسل عندما تم تصوير بعض أحداثه في عدد من العواصم الأوربية، من قبرص إلى إيطاليا ومرورا بألمانيا، وهو ما أعطى صورة عن حجم التمويل، الذي يبدو أن المؤسسة العسكرية المصرية تولت أمره بالكامل.

وكان اختيار الممثلين إنجازا لا يماثله إلا ما تم في مسلسلات أسامة أنور عكاشة، وليالي الحلمية بوجه خاص، وكان في طليعة الممثلين العملاق محمود عبد العزيز الذي تألق مع يسرا وإلى جانبهما أكثر من أربعين وجها فنيا مقتدرا منهم إيمان الطوخي وأحمد راتب وحسن حسني ويوسف شعبان ومريم فخر الدين وسماح أنور وآخرين.

وكان الوطن العربي في حاجة لمسلسل يحكي أمجاد المخابرات المصرية، بعد الصدمة التي أحدثتها قصة إيلي كوهين في سوريا، والتي كانت فضيحة عربية وطنية بكل المقاييس، وبحيث بدا أحيانا أن رأفت الهجان كان محاولة لمحو إيلي كوهين، كما كان انتصار 1973 محوا لهزيمة 1967.

وكما كان متوقعا كان الرد الرسمي من جانب المخابرات الإسرائيلية في البداية أن “مضمون المعلومات التي قدمها المسلسل ما هي إلا نسج خيال ورواية بالغة التعقيد، وإن على المصريين أن يفخروا بنجاحهم في خلق هذه الرواية”.

لكن، وتحت ضغوط الصحافة الإسرائيلية، لأنها صحافة وطنية، صرح رئيس الموساد الأسبق إيسر هاريل أن السلطات كانت تشعر باختراق قوي في قمة جهاز الأمن الإسرائيلي، ولكننا لم نشك مطلقا في جاك بيتون، وهو الاسم الإسرائيلي للهجان.

وبعد سنوات قام صحفيان إسرائيليان وهما ايتان هابر ويوسي ملمن بإصدار كتاب بعنوان “الجواسيس?، وفيه قالوا أن العديد من التفاصيل التي نشرت في مصر عن شخصية الهجان صحيحة ودقيقة، لكن ما ينقصها هو الحديث عن الجانب الآخر في شخصيته، ألا وهو خدمته لإسرائيل.

وأثار رد الفعل الإسرائيلي سخرية المشاهد العربي، لكن المسلسل أكد انتصار مؤسسة التوجيه المعنوي، أو المحافظة السياسية للجيش، التي أنتجت المسلسل وجندت له كل الطاقات الفنية التي تزخر بها أرض الكنانة، ويمكن القول بأن الانتصار المخابراتي المصري في الستينيات، كما قدمه المسلسل، كان جانبا من عملية تمرير النتائج السياسية والاقتصادية لاتفاقية كامب دافيد، خصوصا عندما بدا أن النظام المصري، وخصوصا بعد 1977، يعطي الاهتمام الأكبر لمؤسسات الأمن بكل تنظيماتها.

وظلت قصة رأفت الهجان أسطورة تكررها قنوات التلفزة في إطار عمليات الترويج، التي يقصد بها إضافة كميات من العسل المعنوي الذي يغطي الحقائق المريرة التي تتجرعها الشعوب.

وتأكدت نبوءة نزار قباني في “هوامش على دفتر النكسة”، عندما قال بكلمات برقية لاذعة: شرقنا الباحث عن كل بطولة في أبي زيد الهلالي.

ولم يكن الأمر اختراعا جديدا للماء الساخن، فقد كانت المصالح المخابراتية الأمريكية سباقة في استثمار الفن السينيمائي، ترويجا لعظمة الولايات المتحدة الأمريكية وتشويها لصورة خصومها، ولعل أبرز ما عشناه في هذا الصدد فيلم “دكتور زيفاغو” الرائع، الذي نعرف اليوم أنه كان جانبا من أهم مظاهر الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي، وهو ما أكدته “واشنطون بوست” يوم الأحد الماضي، عندما كشفت أن مسؤولين بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية أكدوا استخدام رواية “بوريس باسترناك” كسلاح دعائي أثناء فترة الحرب الباردة لا من أجل جدارتها الأدبية، حيث كانت الوكالة تنظر إلى الرواية على أنها تمثل تحديا للشيوعية، وأنها طريقة تجعل المواطنين السوفييت يتساءلون عن قمع حكومتهم لأحد كتابهم العظام.

ولست أظن أن هناك من أبناء جيلنا من لم يتأثر بالفيلم الذي تألق فيه عمر الشريف وإليك غينيس، والذي أنتجه كارلو بونتي وكلفت بإنجازه مترو غولدوين ماير ووضع موسيقاه موريس جار، الذي جعل من فالس “لارا” اللحن الأكثر إثارة للعواطف في تلك المرحلة.

ولم يكن سرا أن الفيلم اعتبر من أسلحة الدمار الشامل ضد الاتحاد السوفيتي، خصوصا عندما “مُنح” باسترناك جائزة نوبل على هذه الرواية وحدها، مما أعطى صورة مسبقة عن خلفيات الجائزة، التي اقتسمها فيما بعد أنور السادات ومناحم بيغين على أدائهما في كامب دافيد، وكان تعليق “غولدا مئير السليط أن الاثنين كانا يستحقان “الأوسكار”.

وإذا كانت واشنطون بوست والغارديان قد فضحت قضية الدكتور زيفاغو فقد سبقهما الكاتب المصري الكبير محمد حسنين هيكل، عندما شكك منذ عدة سنوات بقصة رأفت الهجان، ورأى فيما قدم عنها نوعا من المبالغة.

وهنا تذكر كثيرون أن جثمان الجاسوس المصري لم ينقل إلى مقبرة الشهداء في مصر، بل ظل حيث دفن في مدينة دارمشتات ألمانيا في عام 1982، وحمل القبر، فيما أعرف، الاسم الألماني وهو جاك بيتون.

لكن قليلين توقفوا عند ما قاله هيكل، خصوصا وأن ما قاله حول الهجان تم في نفس المرحلة التي اتهم فيها الرئيس المصري باستجابته للطلب الإسرائيلي الذي كان يلحّ على ضرورة التخلص من النشيد الوطني المصري “والله زمان يا سلاحي”، وهو ما تم فعلا باعتماد نشيد “بلادي بلادي”، الذي لحنه سيد درويش، وكلف الرئيس محمد عبد الوهاب بإعداد التوزيع الموسيقي الجديد للنشيد، مبتعدا بالأداء عن الإيقاع العسكري مفضلا الأداء الرومانسي، ونال على ذلك رتبة اللواء الشرفية، وذلك للمرة الأولى في تاريخ العسكرية المصرية.
وهكذا انتهت مرحلة حرب أكتوبر لتبدأ مرحلة كامب دافيد.

ولعل القارئ سوف يصاب بالدهشة عندما أخبره بأن كل هذا دار في ذهني وأنا أتابع حلقات “شاهد على العصر”، مع الدكتور محمد محسوب، وزير الشؤون القانونية في حكومة الدكتور محمد مرسي الموءودة.

وواقع الأمر أن الدكتور محسوب، الذي ذكرني بما سبق قوله، كان بالنسبة لي اكتشافا مفاجئا، فقد رأيت فيه صورة للمثقف المصري المُسيّس والمتمكن من مادته العلمية، والمناضل العربي الذي يتحمل مسؤولياته الوطنية بكل شجاعة وتبصر، وفي الوقت نفسه المسؤول العربي المتواضع الذي يُقرّ بأخطائه وعثراته.

لكنني اكتشفت أيضا عبقرية مؤسسة الشؤون المعنوية التي كلفت بتسويق أداء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، واسترجعتُ الصورة التي قدمت عبر الإعلام المصري لأداء القوات المسلحة المصرية، بدءا بموقفها المُشرّف في الأيام الثمانية عشر التي أنهت وجود الرئيس محمد حسني مبارك في قصر الاتحادية، ومرورا ببعض التصرفات التي تأكد اليوم أنها لم تكن عفوية، وكانت بدايتها أداء اللواء الفنجري للتحية العسكرية عندما تحدث في التلفزة عن تضحيات شهداء الثورة، وهو ما ذكر المشاهدين بمفاخر الجيش المصري، وخصوصا منذ صمود رجاله في الفالوجة عام 1948، وانسحابه التاكتيكي بالغ الذكاء والشجاعة في 1956، ثم العبور الكبير في 1973، والذي صدق عليه تعبير: عبور الهزيمة.

وأعاد تصرف اللواء إلى الأذهان ذكريات مجيدة عن البكباشي أحمد عبد العزيز وزملائه الذين أخذوا عطلة بدون أجر، وتوجهوا إلى فلسطين لقتال الصهاينة، قبل أن ترتكب القيادة الخطأ التاريخي بإرسال الجيش النظامي في مايو 1948.

وتذكر المواطنون الفرقاء عبد المنعم رياض ومحمد عبد الغني الغمصي وسعد الدين الشاذلي وغيرهم، وبدا أن مصر دخلت في مرحلة جديدة تستعيد فيها الريادة العربية والإفريقية والإسلامية التي فقدتها منذ 1977.

لكن أحاديث الدكتور محسوب أكدت المخاوف التي استثارتها تطورات الأحداث المصرية في نفس الكثيرين عبر الساحة العربية بل والدولية.

وأتذكر أنني قلت في 26 نوفمبر 2011، أن صيغة إنهاء حكم مبارك كانت صيغة بدت مشبوهة (..) وبهذا بدا أن رأس النظام فقط هو الذي سقط سقوطا جزئيا، بينما ظل النظام، كنظام، متكاملا متماسكا قادرا على التأثير في مجرى الأحداث.

ففي 11 فبراير أعلن اللواء عمر سليمان أن الرئيس مبارك قرر “تخليه” عن منصب رئاسة الجمهورية، وكلمة التخلي كلمة مائعة، كما قلت أكثر من مرة، مع تصور أعترف بسذاجته بأن استعمال الكلمة كان من باب الحرص على إرضاء الرئيس مبارك شخصيا بتعبير يتناقض مع تعبير “نزولا على رغبة الشعب” التي جاءت في صلب قرار تنحي الملك فاروق عن السلطة في ي26 يوليو 1952
وتأكد فيما بعد أن مبارك لم يكن النظام، بل كان أتفه ما هو في النظام، الذي ضحّى به في سبيل بقاء النظام.

ويؤكدتطور الأحداث بأن أخطر ما تم اتخاذه، والذي يُساءل عنه الجميع، هو عدم الانسجام مع الفعل الثوري بتجميد المحكمة الدستورية، والتي كانت رأس الحربة في إجهاض الثورة، مع الحليفين الرئيسيين، رجال المال ومرتزقة الإعلام.

ولقد كنت أقول بأن الرئيس محمد مرسي ارتكب الكثير من الأخطاء، التي كان يمكن أن يتم تفادي الكثير منها لو كان بجانبه مستشارون أكفاء يضعون أمامه كل البدائل الممكنة لأي تصرف أو موقف أو تصريح.

لكن حلقات محمد محسوب أكدت بأن التيار الإسلامي كله، والقيادات السلفية على وجه التحديد، تتحمل مسؤولية كبرى فيما آلت إليه الأمور، وتأكد اليوم أن قصر الرئيس كان مخترقا بأكثر من حصان خشبي، أستطاع من فيه أن يضللوا رجلا نظيفا لم يعرف ألاعيب السلطة ومكائد القصور.

ومنذ اليوم الأول كان واضحا أن كل الذين فشلوا في انتزاع أقلية مؤثرة في المؤسسات المنتخبة ديموقراطيا سيواصلون مهمتهم التي تدربوا على أدائها، وجعلتهم مجرد ظاهرة صوتية استفاد منها نظام الحكم السابق، ومن هنا تكتلوا لتلويث الجو العام الذي يعمل فيه الرئيس الجديد.

ولقد لاحظت هذا في اليوم الأول الذي ألقي فيه مرسي أول خطبه في ميدان التحرير، حيث أعطت كثرة رجال الأمن حوله مظهرا مؤسفا لرجل فتح سترته قائلا أنه لا يرتدي قميصا واقيا من الرصاص، وهكذا أتيحت الفرصة لمن أراد أن يسخر من الرئيس الجديد مبرزا التناقض بين ما يقوله وبين عدد رجال الأمن حوله.

وبرغم أن التنسيق بين رئيس منتخب وقيادة الحزب الذي كان ينتمي إليه ليس أمرا خارقا للعادة فإن ما رشح عن أحاديث الدكتور محسوب يؤكد أن مرسي لم يكن رهينة قرار المرشد العام للإخوان المسلمين، بل كان ذا شخصية مستقلة، بحكم تكوينه العلمي واعتزازه بموقعه الذي كان نتيجة لانتخاب شعبي، لم يكن الإخوان المسلمون وحدهم من صوتوا لصالحه.

غير أن قمة الاختراق السياسي كان تلك الثلة التي تنتسب إلى شريحة من شرائح الإسلام السياسي، تردد أنها تتلقى وحيها من اتجاهات مذهبية وسياسية غير مصرية، ويقول كثيرون أنها كانت من العناصر المرتبطة بالأمن السياسي، وكانت داخل مجموعة الإسلام السياسي صورة مماثلة لحصان طرواده.

هذه الشريحة من أصحاب اللحى هي من طعنت الرئيس مرسي في ظهره وانحازت للانقلابيين، وقيل أن ذلك تم بناء على تعليمات داخلية، انسجمت مع توجيهات خارجية تفوح منها رائحة البترودولارات.
والحديث يطول، وقد أعود لنفس الموضوع، لكني أكتفي اليوم بالقول بأن قدوة صانع القرار اليوم، أيا كان، هو نظام الرئيس فلاديمير بوتين في روسيا، والذي استطاع بتخطيط بالغ الدقة تحقيق الاستثمار المزدوج لرجال المال ومؤسسات الإعلام، بالإضافة إلى عمليات إرهاب مدروسة بدأت بتفجيرات موسكو، والتي تذكر بمذبحة الجنود المصريين في سيناء خلال شهر رمضان الأسبق، وتواصلت بقنبلة غروزني، التي فاقت مأساة رابعة العدوية وميدان النهضة في مصر.

ملحوظة: لمن يبدو لهم أن يتساءلوا عن السبب في عدم تعرضي للانتخابات الجزائرية أقول بأنني قلت ما عندي أكثر من مرة، وليس هناك جديد يضطرني للتوقف عنده، ولا أحب أن أجتر حديث الأمس.

أضف تعليقك

تعليقات  0