الملف السوري


إن الحديث عن الملف السوري هو تلخيص لحقيقة واقع الأمتين الإسلامية والعربية المؤلم والمتناقض، وهو يعيد كشف حقائق تاريخية ومذهبية وسياسية ومصلحية مقيتة لم يعد بالإمكان إخفاؤها، بل لا بد من طرقها وتسليط الضوء عليها إن أردنا للأمتين الخير والخلاص.

فالمؤلم في الملف السوري أنه تم التوافق الغربي الإيراني والعربي جزئيا على إبقائه مفتوحا لسنوات مقبلة، كما حدث في الحرب الأهلية في لبنان، اتساقاً مع رغبات غربية في تكريس البغض والتشرذم الطائفي بيننا مع تحويله لحرب استنزاف لمقدرات هاتين الأمتين حفاظاً على تفوق إسرائيل ومنحها مع الغرب فرصة رصد القدرات العسكرية والسياسية لكافة الدول أو الأطراف المشاركة فيها.

أما التناقض فهو في تأكيد أن الدول الإسلامية والعربية لا يمكن أن تتجه للوحدة والتكامل رغم قوة القواسم المشتركة بينها ووجود عناصر التوافق كافة، لكنها دول أغلبها ليست للشعوب ما يجعلها تصطف ضد مصالحها ومصالح أمتيها المؤكدة، وهو البارز في موقف إيران والعراق ودولتين من مجلس التعاون، ولا يبرأ من ذلك بقية الدول الإسلامية والعربية التي لديها تناقضاتها في هذا الملف كما في شأن مقعد سوريا بالجامعة العربية.

إن في تاريخنا حقائق تؤكد أن العزف على الجرح الطائفي ونكشه لن يغيرا ثوابته، ومنها أن الغالبية الساحقة من المسلمين في أمتينا هم السنة، وهو للأسف خلافا لما تحاول أن تتصوره إيران بعد توافقها مع الغرب بعيد النجاح في العراق، كما أن محاولة تهميش الشيعة دون دمجهم بالدولة سياسيا ومواطنيا، لا ينتج عنها إلا شعورهم بالاضطهاد وقابليتهم للتحريض، وهو ما تسعى اليه إيران حتى في الدول التي اندمج فيها الشيعة بالدولة سياسيا.

أما المذهبية فهي ورقة التوت التي تتساقط عن معظم قادة السياسة والفكر والإعلام في تدافعهم بالملف السوري بين من جعلها ساحة للجهاد دون أن يدرك منزلقات هذا التصوير، خصوصا في أذهان المجاميع المتطرفة ممن عاشت حالة الجهاد مرتعا لزعامات أمراء الحروب ما عجل دائما بتنقلهم بين دول عديدة فضلا عن التغرير بالشباب المتحمس، وبين من استغل أولئك النفر المنحرف ليفتح هجوما بدوافع مذهبية بالحديث عن الارهاب والتطرف، وهو ما اندفع إليه بصورة مبرمجة معظم من كتب في هذا الملف من السياسيين والكتاب.

وأخيرا فإن المصلحة الآنية لبعض الدول الإسلامية والعربية جعلتها تتخلى عن موقعها الطبيعي ودورها المرتقب لتتخذ مواقف عكسية تصب في اتجاه ضار بها مستقبلا مع أضراره البالغة على أمتينا، فلا يجوز الدفاع او السكوت عن نظام غير ديموقراطي ويدير دولته بهيمنة أقلية، بلغ طغيانه تقتيل أبناء شعبه واستخدام أسلحة فتاكة في مواجهتهم ما يعيد نموذجاً أسوأ من صدام المقبور، ولكن للأسف المصلحة الذاتية أو الطائفية أوجدت اختلالاً في الموازين.

اللهم اني بلغت.



أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0