علماء وأمراء ..


في 1937 نُشرت قصة بعنوان «أمراء للبيع» من قصص «وحي القلم» لمصطفى صادق الرافعي وكتب فيها، وأنقل منها بتصرف لتوضيح الفكرة المسهبة ولا يبتر المعنى، «يقول الشيخ تاج الدين محمد بن علي الملقب (طوير الليل)، المتوفى 717 هجرية وهو أحد أئمة الفقهاء بالمدرسة الظاهرية بالقاهرة: كان الإمام تقي الدين بن مجد الدين بن دقيق العيد، المتوفى 702 هجرية، لا يخاطب السلطان إلا

بقوله« يا إنسان» لا يخشاه أو ينافقه ولا يلقبه بعظمة كغيره من العلماء، ويخاطب العامة بالنداء ذاته فلا يعلو بالأمراء ولا ينزل بالضعفاء، ولا يعظم إلا أئمة الفقهاء فيناديه «يا فقيه»، على أنه لم يكن يسمح بهذا إلا لمثل شيخ الإسلام نجم الدين بن الرفعة، المتوفى 710 هجرية، ويخص علاء الدين بن الباجي وحده بقوله «يا إمام» فقد كان ذا حجة مناظراً لا ينتصر عليه أحد كالبرهان» إلى تمام النص.

ولما سُئل: كيف تنادي السلطان «يا إنسان» ألا يسخط عليك؟ قال: إننا نفوس لا ألفاظ، والكلمة من قائلها هي بمعناها في نفسه، لا بمعناها في نفسها، ولا يحسن بحامل الشريعة أن ينطق بكلام يرده الشرع عليه، ولو نافق الدين لبطل أن يكون ديناً، ولو نافق العالم الديني لكان كل منافق أشرف منه، المنافق رجل مغطى في حياته، ولكن عالم الدين رجل مكشوف في حياته، فهو للهداية لا للتلبيس،

وفيه معاني النور لا الظلمة، وذلك يتصل بالدين من ناحية العمل، فإذا نافق فقد كذب، والعالم يتصل بالدين من ناحيتي العمل والتبيين، فإذا نافق فقد كذب وغش وخان» وختم قوله «فإذا رأيت لعلماء السوء وقاراً فهو البلادة، أو محاسنة فسمها النفاق، أو سكوتاً عن الظلم فتلك رشوة يأكلون بها».

وفي النص من بديع الوصف الذي أتمنى من القارئ الاستزادة منه بالرجوع له كاملاً.

وأكمل «ما لقيت مثل شيخي الإمام عزالدين بن عبدالسلام، المتوفى 660 هجرية، فقد كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شيئاً تصنعه طبيعته كما يصنع جسمه الحياة، لما رأى الظاهر بيبرس كثرة الخَلق في جنازته خلال مرورها تحت القلعة فقال: الآن استقر أمري في الملك، فلو أن هذا الشيخ دعا الناس إلى الخروج عليّ لانتزع مني المملكة».

ومن مواقفه أيضاً هذه القصة «كان السلطان في دمشق (الصالح إسماعيل) استنجد بالافرنج على الملك «نجم الدين أيوب» سلطان مصر، فغضب الشيخ وأسقط اسم «الصالح» من الخطبة وخرج مهاجراً، فأتبعه الصالح بعض بطانته تعرض عليه العودة وتقبيل يد السلطان والحصول على أكثر مما كان عليه في مناصبه، فرد: يا مسكين! أنا لا أرضى أن يقبل يدي السلطان، أنتم في واد وأنا في واد»!

ولما عاد إلى مصر 639 هجرية أقبل عليه نجم الدين أيوب فولاه خطابة وقضاء مصر، وكان أيوب مُهابا، فلما كان يوم العيد صعد إليه الشيخ وهو يستعرض قوته بالجند وقال بأعلى صوته: يا أيوب! ثم أمره بإبطال منكر خمر علم أنه يباع في حانة، فرسم السلطان بإبطال الحانة واعتذر إليه.

فلما سُئل الإمام لم فعلت هذا أمام الناس؟ قال: رأيته في تلك العظمة فخشيت على نفسه أن يدخلها الغرور «قيل: أما خفته؟ رد: استحضرت هيبة الله تعالى فكان السلطان أمامي كالقط، نحن إن أمرناهم فإنما يأمرهم فينا الشرع لا الإنسان، وهم يرون لأنفسهم الحق في إسكات الكلمة الصحيحة أو طمسها أو تحريفها، فما بد أن يقابلوا من العلماء والصالحين بمن يرون في أنفسهم الحق إنطاق هذه الكلمة وبيانها وتوضيحها» إلى نهاية النص الرائع.

في التاريخ الإسلامي كنوز لبيان العلاقة بين العلماء والأمراء، سطور مليئة بالعبر والفهم من علماء قرون مضت كم نحن أحوج اليوم لتلك الذكرى ليفيق المؤمنون من بياتهم الذي تعدى الفصول للعقول!

بالتأكيد تنتظرون قصة «أمراء للبيع»!

عذراً لقد نفدت المساحة، وموعدنا معهم في المقال المقبل.



@kholoudalkhames

أضف تعليقك

تعليقات  0