جامعة «حمّال الأسية»!


مشكلة أن تدار الأمور بعقلية سياسية تحاول تجنب استحقاقات الضغط الشعبي المتزايد بشكل طبيعي، وغريب أن تفكر الإدارة الجامعية ومجلس الوزراء بمثل هذه الحلول الترقيعية الهزيلة، وألا يهديها فكرها واهتمامها إلى إنشاء جامعات أخرى جديدة في عصر الوفرة المالية والفوائض المركبة من الإيرادات على مدى عشر سنوات متتالية!


يبدو أن إدارة الجامعة محشورة بين المطرقة والسندان نتيجة الضغط السياسي من جهة والتقيّد بالمعايير الأكاديمية من جهة أخرى، ومن الواضح أن مطرقة الضغط السياسي هي المرجح حالياً على حساب استقلالية المؤسسة الجامعية ولو بالحد الأدنى علمياً كما ينص عليه قانون (29) لسنة 1966.

جامعة الكويت أنشئت في عام 1966 لتكون المؤسسة الجامعية الوحيدة والفريدة حتى الآن، وجميع المحاولات التي جرت لتنويع الدراسة الجامعية وفتح كليات جديدة باءت بالفشل، حتى تطوير قانون الجامعة أجهض مرات عدة بسبب اللوبي الحكومي، أما مشروع المدينة الجامعية في الشدادية، فقد تلاعبت به الأهواء والمصالح ولا يبدو له أي أثر في المستقبل المنظور.

أمام هذه المعطيات تحولت جامعة الكويت إلى "حمّال الأسية"، وأصبح لزاماً أن يتم استيعاب جميع خريجي الثانوية الحاصلين على معدلات القبول فيها رغم تخطي قدرتها الاستيعابية منذ عقدين من الزمن، كما يجب قبول حملة الدكتوراه فيها، وإن كان هناك فائض من الأساتذة ممن لا يتحملون حتى نصف العبء التدريسي في بعض الكليات، ويفترض كذلك تعيين مدرسين مساعدين لتغطية الشعب الإضافية لمنع الأساتذة من هذه المقررات لأن في ذلك عبئاً على الميزانية المالية!
وفي نفس الجامعة يجب إعادة توزيع الأقسام العلمية بين فترة وأخرى لإنشاء عمادات جديدة ليس لها مثيل في الجامعات العالمية، فقط لإرضاء البعض في المناصب القيادية كالعمداء ومساعديهم، حتى وصل عدد الكليات عندنا إلى حوالي عشرين كلية.

المطلوب في المقابل أن تحافظ الجامعة على جودة التعليم، وأن يكون خريجوها على درجة عالية من التحصيل العلمي الذي يمكنهم من الالتحاق بسوق العمل بكفاءة واقتدار، وأن نتغنى بهم في حفل الخريجين بأنهم رجال المستقبل وصناع القرار، ورحاب التنمية تنتظرهم وهي مشرعة أحضانها لتتلقفهم بفارغ الصبر والشوق!

من أغرب القرارات الأخيرة لإدارة الجامعة فرض عملية التدريس على المدرسين المساعدين من حملة الماجستير لتحمل العبء التدريسي الناجم عن قبول أعداد متزايدة من الطلبة الجدد، وكمبدأ عام لا شك أن هذه الشريحة المهنية قادرة على التدريس وخاصة المواد التمهيدية بامتياز، ولكن إغراق هؤلاء المدرسين بأربعة إلى خمسة مقررات في الفصل الدراسي الواحد أمر قد ينسف التحصيل العلمي من أساسه، فإدارة الجامعة وعمادة القبول والتسجيل تحديداً قلبتا الدنيا رأساً على عقب بأن الأساتذة من حملة الدكتوراه يتلهفون على المادة الإضافية لأنها مكلفة مالياً من جهة، وقد تضعف الأداء التدريسي لهم من جهة أخرى.

أما مساعدو المدرسين وبمباركة عمادة القبول والتسجيل والشؤون العلمية فيطلب منهم تدريس خمسة مقررات إلى جانب الساعات المكتبية ودروس التقوية ومراقبة الاختبارات والإشراف على المختبرات، ومساعدة الدكاترة في تصليح الامتحانات، وكشوف الحضور والغياب، والإشراف على البرامج الميدانية مع ضرورة الحفاظ على جودة التعليم والتدريس المتميّز!

فعلاً هي مشكلة أن تدار الأمور بعقلية سياسية تحاول تجنب استحقاقات الضغط الشعبي المتزايد بشكل طبيعي، وغريب أن تفكر الإدارة الجامعية ومجلس الوزراء بمثل هذه الحلول الترقيعية الهزيلة، وألا يهديها فكرها واهتمامها إلى إنشاء جامعات أخرى جديدة في عصر الوفرة المالية والفوائض المركبة من الإيرادات على مدى عشر سنوات متتالية!
أضف تعليقك

تعليقات  0